
بقلم: د. نجلا سعيد
يتسع فضاء القص ليشمل مجموعة الأمكنة فيه؛ حيث المكان القصصي ليس واحدًا ، لكنه متعدد بتعدد الأحداث، فكل حدث قرين مكان وكل شخصية روائية يضمها مكان تتحرك فيه وتبادله التأثير والتأثر وهذه الأمكنة يضمها فضاء واحد.
وتعتمد القصة القصيرة على التركيز في كل شيء خاصة وصف مسرح الأحداث ؛ لهذا يجب على الكاتب أن يصف الإطار الذي تدور فيه الأحداث بإيجاز، ولا يهتم في هذا الوصف إلا بالسمات الأساسية للمكان التي ترتبط بالقصة بشكل كلي. فلا يكثر من التفاصيل غير المهمة إلا إذا كان المكان هو البطل. ويقوم القارئ ببناء هذه الأماكن في خياله ويحاول أن يقارنها بالأماكن التي يعرفها في الحياة الواقعية.
وإذا كان زمن القصة أو الرواية ليس هو زمن الساعة، فإن المكان القصصي ليس هو المكان الطبيعي، فالنص القصصي يخلق عن طريق الكلمات مكانًا خياليًا له مقوماته الخاصة وأبعاده المتميزة، فالمكان يحمل معنى وحقيقة أبعد من حقيقته الملموسة.
بناء المكان
يأتي بناء المكان من خلال وصف المكان ومن خلال حركة الشخصيات في المكان ذهابًا وإيابًا وسفرًا واستقرارًا، فالانتقال من مكان إلى مكان يصاحبه تحول في الشخصية. أما الانغلاق في مكان واحد دون التمكن من الحركة فإن هذه الحالة تعبر عن العجز وعدم القدرة على الفعل أو التفاعل مع العالم الخارجي أي مع الآخرين .
وعندما يبدأ الكاتب في بناء عالمه الخاص الذي سيضع في إطاره الشخصيات ثم يسقط عليه الزمن حيث إن الزمان لا يوجد مستقلا عن المكان ( يصنع عالما من الكلمات) . وهذه الكلمات تشكل عالما خاصا خياليا قد يشبه عالم الواقع وقد يختلف عنه.
ويعد أسلوب الوصف من أهم الأساليب التي اتبعها روائيو القرن التاسع عشر في تجسيد المكان وقد اقترن الوصف في البداية بتناول الأشياء في أحوالها وهيئاتها كما هي في العالم الخارجي وتقديمها في صورة أمينة تعكس المشهد وتحرص كل الحرص على نقل المنظور الخارجي أدق نقل وارتبط وصف الأشياء بمفهوم المحاكاة الحرفي أي التصوير الفوتوغرافي.
وهناك أسلوب آخر للوصف مغاير لأسلوب الكتاب الواقعيين ، وهو أسلوب أصحاب مدرسة تيار الوعى الذين كانوا يفضلون الوصف التعبيرىالذى يتناول واقع الشئ والاحساس الذى يثيره هذا الشيء في نفس المتلقي ، فالأسلوب الأول يلجأ إلى الاستقصاء والثاني يلجأ إلى الإيحاء والتلميح، حيث يأتي الوصف ملتحما بالسرد في وحدات متضافرة لا يمكن فصلها عن السرد، فهم ينظرون إلى الشيء من حيث وقعه على الناظر أو السامع، فيلونون الأشياء بنظر الناظر أو سمع السامع لها .
وظائف الوصف:
النظر إلى الوصف بوصفه حلية أو زخرفة،
والوصف في هذه الحالة يشكل مقاطع وصفية مستقل تمثل وحدات ممتاملة متماسكة يمكن حذفها من النص القصصي دون تأثير يُذكر.
الوظيفة التفسيرية
إن مظاهر الحياة الخارجية من مدن ومنازل وأثاث وأدوات وملابس تذكر؛ لأنها تكشف عن حياة الشخصية النفسية وتشير إلى مزاجها وطباعها ويرى فلوبير أن الوصف لا يأتي بلا مبرر، فكل مقطع من مقاطع الوصف يخدم بناء الشخصية وله أثر مباشر أو غير مباشر في نطور الحدث.
وظيفة إيهامية
عندما يقف الوصف على التفاصيل الصغيرة يدخل العالم الخارجي بتفاصيله الصغيرة في عالم الرواية التخييلي فيشعر القارئ أنه يعيش في عالم الواقع لا عالم الخيال ويخلق انطباعًا بالحقيقة أو تأثيرا مباشرًا بالواقع .
أبعاد المكان
ويعد المكان في الرواية أكثر من مجرد خلفية جغرافية ، فهو فضاء حي يتفاعل مع الأحداث والشخصيات، وله أكثر من بعد.
وأبعاد المكان في قصص هناء سليمان متباينة الشكل والمعنى، وأغلب القصص تدور في البيت أو حول البيت.
البعد الجغرافي
البعد الجغرافي في الرواية هو الإطار المادي والملموس الذي تقع فيه الأحداث، وهو المسرحالفعلي الذي تتحرك عليه الشخصيات، فالمدينة والقرية والشوارع والأنهار والمباني كلها تمثل بعدا جغرافيا.
أسلوب أصحاب مدرسة تيار الوعي الذين كانوا يفضلون الوصف التعبيري الذي يتناول وقع الشيء والإحساس الذي
ولكي يرسم الروائي أمكنته المتخيلة ، فإنه يستعين بالمكان المحسوس لتكوينها، وهو في هذا لا يحاكي المكان الواقعي محاكاة تامة ، لكنه يهتدي به لتكوين أماكن الرواية مستعينا في ذلك بالكلمات.
والأماكن الجغرافية حين تتردد بأسمائها الحقيقية عبر النص الروائي تعمل على إيقاظ حس المتلقي، فيبدأ في صنع مكان متخيل سواء أقدم النص إشارات مكانية أم لا .
ولا نجد نصا روائيًا لا يحتوي على الحد الأدنى من العناصر الجغرافية التي تلعب دور المحدد والضابط للمكان المتخيل.
يدخل في إطار البعد الجغرافي تشكيل الأشياء للمكان بوصفها عناصر تشكل جغرافية المكان المتخيل ، وتكشف هذه الأشياء عن ذوق الشخصية ومزاجها ووضعها الاجتماعي ، كما يكشف عن تاريخية الأشياء وعلاقتها بالأمكنة الأخرى.
وأحيانًا تقوم هذه الأشياء بدور البطل أو تنازع الشخصيات بطولتها.
فالأشياء التي تشكل جغرافية المكان ما هي إلا عناصر تحمل الكثير من المعاني والدلالات في وجودها ؛ فالشرفة على سبيل المثال تقوم بأدوار عدة حسب الطريقة التي تظهر بها في سياق النص ، فالغرض الواضح المباشر من الشرفة هو التطلع إلى الخارج، والسماحللضوء والهواء بالعبور إلى المكان، لكنها في بعض قصص المجموعة تتعدى وظيفتها الأولى وتكتسب وظيفة مغايرة.
تحكي قصة (فوطة زفرة) [1] عن جابر الذي انتقل هو ووالده حديثًا للعمل بجراج؛ طلبًا لدخل أعلى، ويظل طوال الوقت نظره معلق بشرفة باسم الشاب الغني، ويطلق العنان لخياله فيما يمكن أن يكون باسم يفعله الآن وهو الابن المدلل وحيد والديه الذي يظهر من خلال شرفته شابًا باسما سعيدًا ذا جسد قوي لا يشبه في شيء جسده العليل الذي يكاد ينهار من ثقل العمل.
وفي الوقت الذي يستخدم باسم شرفته في التطلع إلى الخارج واستنشاق الهواء النقي، يستخدم جابر شرفة باسم بوصفها نقطة مراقبة يتطلع عبرها إلى ما يمكن رؤيته من حياة باسم، مكملا في خياله ما عجز عن رؤيته في الحقيقة، لاعنا حظه العاثر حتى يكتشف في النهاية أن باسم مقعدًا.
ومن العناصر المؤثثة للمكان الباب، ومن وظائف الباب أنه يمثل مدخلًا أو مخرجا من المكان ويوفر للمكان الحماية والأمان، لكنه في قصة (فلافل محشوة دمعًا)[2] يؤدي دورًا آخر.
تعيش بطلة هذه القصة تجربة قاسية، بعدما ذهبت إلى القاهرة مع عائلتها لعرض أختها المريضة بالقلب على طبيب هناك، فإذا بالأم تمرض مرضًا شديدًا مفاجئًا وتدوي صرخاتها في جنبات البيت، وتتحدث الكاتبة عن نزول البطلة إلى الشارع لإحضار الفطور لإخوتها واجتيازها لباب الشقة الذي تصفه بأنه ثقيل له تزييقة عالية ما زالت البطلة تسمعها بين الحين والحين.
ثم تصف الكاتب معاناة البطلة في طريقها للبيت وهي تمسك بقرطاس الطعمية الساخنة وكسرولة الفول الساخن وكيف عجزت عن دق الباب بعد عودتها بسبب انشغال يديها فاستخدمت قدمها، ولم يتمكن أحد من تناول الفطور ثم تموت الأم بعد أن توصي البطلة بأخيها وتطلق الخالة صرخات متواصلة. وتظل تزييقة الباب عالقة بذهن البطلة، تذكرها بأنين أمها من شدة المرض، وصرخات الحزن التي ملأت البيت في ذلك اليوم.
وفي قصة (بنت ذوات) [3]، يتعلق الشاب العاطل الذي لا عمل له سوى الجلوس على المقهى بفتاة من طبقة اجتماعية أعلى ويظل يتبادل معها النظرات وهي تقف في الشرفة ، ويتعقبها أحيانا إلى كليتها وينجح في الحديث معها وتطلق الضحكات وعلامات الاستغراب مع كل كلمة يتفوه بها فيظن أنها تبادله الإعجاب حتى يتفاجأ بأسئلتها الكثيرة عن تعليمه وعمله الحالي لتخبره في النهاية أنه لم يكن يمثل لها شيئًا وأنه بالنسبة لها مجرد فولكلور ، فوظيفة الشرفة هنا ليست مجرد النظر منها إلى الخارج أو التمتع بالهواء والضوء، ولكنها هنا وسيلة الفتاة لإدراك عالم مغاير لعالمها، حقق لها قدرًا من التسلية في بداية الأمر ثم سرعان ما تكشفت لها الحقيقة التي جعلتها تعيد حساباتها.
إن العناصر المؤثثة لجغرافية المكان ليست مجرد علامات لغوية يملأ بها الروائي صفحاته فوجود هذه الأشياء يدل على ذوق صاحب المكان ومكانته في المجتمع، وهو ما يظهر بوضوح في قصة (صاحبة عتب) [4] التي تحكي عن السيدة صفية التي أفنت عمرها في تربية أولاد إخوتها وتتزوج وهي على مشارف الخمسين من الحاج خيري الرجل الثري الذي تزوج قبلها سبع مرات ومع ذلك رضيت به لوجاهته وسخائه ولباقته في التعامل مع الكبير والصغير، فإذا بها تدفع ضريبة نزواته بعد أن فقد كل ثروته ولا تجد مكانا يأويها بعد موته وتنتهي القصة بموتها وحيدة وقد انفض من حولها أقرب الناس إليها وتتحدث الكاتبة عن أناقته قائلة:
فظهر الحاج خيري بطربوشه الأحمر الذي احتفظ به بعد أن خلعه كل الرجال، وبتأنقه الزائد وحرصه على الساعة” أم كاتينة ، وبضغطه على مخارج ألفاظه “62
فالطربوش الأحمر والساعة أم كاتينة يدلان على وجاهته وهيبته وانضباطه وتمسكه بالأصالة، وما يقوي هذا الاعتقاد حرص الحاج خيري على الشرب من القلة التي يمتزج ماؤها بماء الورد رغم امتلاكه لثلاجة 12 قدم التي تدل على يسر الحال وتمسكه بقديمه رغم امتلاكه للحديث.
البعد الاجتماعي
يعد المكان بوصفه حيزا صالحا للحياة فيه أساسا ولبنة أولى لإقامة المجتمعات البشرية، هذه المجتمعات البشرية تستمد صفاتها من المكان الذي تعيش به فهناك عادات وتقاليد وسمات تجعل كل مجتمع مختلفًا عن الآخر ويتجلى هذا في أوضح صوره في قصة (سكينة) [5].
تتحدث القصة عن الفتاة القروية سكينة التي أكملت الثلاثين ولم تتزوج بسبب ضيق حال الأب، فعزف عنها شباب القرية بسبب كبر سنها، ولم يعد يتقدم لها إلا الأرامل أو المرضى أو الطاعنون في السن، جميعهم يريدونها خادمة أو ممرضة ، فازدادت حالتها النفسية سوءًا ثم عملت جليسة لسيدة في الإسكندرية، حتى وصلت إلى السابعة والثلاثين دون زواج، ثم تقدم لها خاطب في الخامسة والعشرين من عمره فوافقت ولم تخبره بحقيقة عمرها ، ولكن أحد أصدقائه المقيم في قرية سكينة يخبره بالحقيقة فيفسخ الخطبة. وتلجأ سكينة إلى الدجالين لإعادته إليها دون جدوى .
وبعد موت أبيها وأخيها تقبل بالزواج من رجل من القرية ويرافقها عدم الرضا عن هذه الزيجة وتحاول الإنجاب دون جدوى بسبب كبر سنها ومرضها ، وفي النهاية تركن إلى الرضا والسكينة. تتحدث الكاتبة عن موقف أهل القرية من الفتاة التي بلغت الثلاثين دون زواج ، فتقول إن أهل القرية ينظرون إليها على أنها عورة وعارًا.
كما أن عادة الذهاب إلى الدجالين طلبًا للأعمال تنتشر في القرية أكثر من المدينة، وحينما حاولت سكينة الإنجاب ولم تفلح عقدت مقارنة بين القرية والمدينة وقلت للحاجة ألفت التي كانت تعمل عندها قبل الزواج
” لديكم في المدينة الطب ولدينا في القرية فك الأعمال”[6]
كما أن اهتمام سكينة الفائق بجسدها بعد خطبتها يكشف عن المفاهيم التي رسختها فيها القرية ، وتتمثل في أن الجسد هو الوسيلة الوحيدة لجذب الرجل[7]
البعد النفسي
البعد النفسي هو ذلك البعد العاكس لما يثيره المكان من انفعال سلبي أو إيجابي في نفس الحال فيه ، ولابد للمكان أن يكون بناؤه منسجما مع أمزجة وطبائع شخصياته ، وأن تكشف بنية المكان عن الحالة الشعورية التي تعيشها الشخصية ، فإسقاط الحالة الفكرية أو النفسية للأبطال على المحيط الذي يوجدون فيه يجعل للمكان دلالة تفوقُ دوره المألوف بوصفه ديكور أو حلية ، تقول البطلة في قصة (لوزة)[8] متحدثة عما يثيره فيها المكان من انفعال سلبي:
خِفْتُ من منظر باب العمارة القديم الصدئ، وقد تدلى فوقه مصباح بائس يُلقي ضوءا ذابلا، ثم أخافني أكثر السلم المظلم بدرجاته المعوجة متآكلة الأطراف” 5
فالطفلة الصغيرة كانت بصحبة أمها في زيارة لخياطة تدعى لوزة وفي البداية هالها المنظر السيء لمدخل البيت، ولكن عند صعودها إلى السطح ، حيث تسكن لوزة تشعر بسعادة طاغية، فتقول:
“انفتح الباب على أجمل منظر رأته عيناي طنط لوزة تتوسط الصالة الواسعة محتضنة ماكينة الخياطة[9] وتستطرد بعد ذلك في وصف ملامح السعادة التي تملأ أرجاء البيت [10]
وفي قصة هززت رأسي مستسلما[11] لا تصف الكاتبة ما رأه البطل في المحطة وصفا دقيقا كما هو في الواقع، وإنما يمتزج وصفها بحالة البطل الفكرية والشعورية فتسقطها على المكان، يقول البطل بعدما وجد السلم الكهربائي في المحطة معطلا :
“سألتُ؛ فأشاروا لي على سلم عادي من داخل رصيف القطار، عالم مُغبش بغلالة رمادية والناس واقفين كانوا أو جالسين كأنهم يتحركون مما أصابني بالدوار، وخفت لوهلة أن أسقط في هذه الهوة العميقة حيث قضبان القطار، فزعت من صفير قطار قادم؛ فأسرعت بالبحث عن السلم”[12]
فما ترويه الكاتبة هنا يروى على لسان البطل، ومن وجهة نظره التي قد لا تماثل الحقيقة، ومن خلال الأوصاف المتفرقة للبطل في هذه القصة، سواء التي جاءت على لسان زوجته أو حبيبته القديمة أو من خلال حديثه هو ، نعلم أنه لا يجيد التصرف (لخمة)، لا يفهم الإشارات، يقول أكثر مما يقدر عليه بالفعل، مستسلم تمامًا لواقعه وقدره دون أدنى محاولة للتغيير، لديه حالة إنكار الحقيقة عمره، صبور إلى درجة البرود، فالغلالة الرمادية هنا تعبر عن رؤيته للعالم وربما كانت إشارة إلى ما ستؤول إليه قصة حبه القديمة بعد فترة من الوقت.
البعد التاريخي الزمني
المقصود بهذا البعد الزمن الكامن في المكان والأشياء التي تشكل جغرافيته ، فيغير بظلاله من صورتها ؛ فالمكان إذن ما هو إلا كمية الحركة في الزمن، ونلمح تأثير الزمان الخفي في قصة لوزة[13]، مستخدمين نفس المثال السابق الذي يصور الطفلة الخائفة وهي تصعد السلالم المتآكلة فلباب الصدئ والسلالم المتآكلة والمنزل المتهالك كلها تشير إلى أن نهذا المنزل مر به تاريخ طويل حتى وصل إلى هذه الحالة ، كما يدل على مرور الزمن.
البعد الرمزي:
البعد الرمزي للمكان في الرواية هو تحول الموقع الجغرافي من مجرد مسرح جامد للأحداث إلى عنصر سردي حي يحمل المكان دلالات نفسية أو اجتماعية أو فلسفية تعمق النص دون الاعتماد على الوصف المباشر .. فإضفاء صفات مكانية على الأفكار المجردة يساعد على تجسيدها مما يقربها إلى الأفهام.
تقول البطلة في قصة لوزة إنها تسير بجانب أمها تستمع إلى تعليماتها وهي تحجل على قدم واحدة[14]، وهذا يشير إلى افتقادها إلى الاستقرار في حياتها.
وصف ضوء مصباح الضوء في مدخل البيت بالذبول يرمز إلى اقتراب النهاية
تقول البطلة بعد رؤيتها لخوف أمها بسبب القطة ” فربت على ذراع أمي لأهدئ من روعها”[15]وهذا يدل على افتقاد كلتيهما للأمان في حياتهما، فكلتاهما تلوذ بالأخرى
شعور الفتاة بالفرح في شقة لوزة وأمنيتها أن تسكن فوق السطوح وتعمل بالخياطة يدل على شعور الفتاة بالوحدة في بيتها، ورغبتها في الحرية والانطلاق وهي معان توحي بها كلمة السطوح.
يشير جلوس الفتاة إلى جانب الزرع والروائح الجميلة إلى حالتها النفسي الجيدة في منزل لوزة شعور الفتاة بغصة في حلقها تضغط على اللوزتين، تشير إلى انهيار خط الدفاع الأول
للجهاز المناعي بوفاة والدتها، كما يدل ذلك على تقلص المساحة المكانية من السطح الذي منحها البهجة إلى الحلق الذي يمثل الضيق.
وفي قصة صاحبة عتب[16] تصف الكاتبة عيني الحاجة صفية بأنهما أثقلهما الكحل في إشارة إلى غياب الإدراك السليم لحقيقة زوجها.
وتوقف الحاج خيري عن لبس الطربوش يشير إلى فقدانه لهيبته في نظر الآخرين.
وفي قصة قلب من خزف[17] تشير مادة الخزف التي صنع منها القلبان إلى قابلية الكسر، كما يشير المسمار إلى العلاقة الزوجية ، أما الخيطان فيشيران إلى انفصال القلبين ووصف الحائط بأنه وردي يشير إلى الأيام الأولى للزواج حينما كانت العاطفة متقدة؟
وترمز الفوطة الزفرة في القصة التي تحمل نفس العنوان إلى اللمعان أو البريق الظاهري الذي يخفي وراءه حقيقة أخرى . فالفوطة الزفرة عبارة عن فوطة توضع في الزيت أو البنزين أو الجاز وتستخدم في مسح السيارات لتمنحها بريقًا فوريًا، لكنها تؤدي إلى تدمير طلاء السيارة فيما بعد.
البعد الأسطوري للمكان
والمقصود به هنا ارتباط المكان بالأسطورة ، ويظهر ذلك في قصة (من الخاسر؟)[18] ، حيث البطل الذي قتل وانتقل إلى العالم الآخر، ويرى أن العدل لم يتحقق بإعدام قاتله ويشعر بالحزن لأنه تسبب في ضياع أسرته وتشردها، تفتح له نافذة عريضة يرى من خلالها كيف تسبب في تدمير أسرته وكيف يرفضون مسامحته، ثم تفتح له نافذة أخرى يرى من خلالها أسرته في أسعد حال وقد سامحوه على ما اقترف في حقهم، ثم اصطحبه اثنان إلى طريق مظلل وأنزلاه في نهر فضي مغطى بالورد؛ فغمرته السعادة والحبور[19] .
والماء ليس عنصرًا طبعيًا فحسب، لكنه أيضا رمز للتطهر والتجدد، فقد جاء في أساطير الخلق القديمة أن الحياة خلقت من المياه البدئية وبنزول البطل إلى النهر الفضي، فهذا يعني أنه عاد للرحم الأول وسيبدأ بداية جديدة بعد التطهر.
أنواع الأماكن في المجموعة القصصية:
أولا أماكن الإقامة الاختيارية
ومن هذه الأماكن البيت والبيت هو المأوى الذي يشعر فيه الإنسان بالألفة والحميمية على الرغم من كونه مكانًا مغلقًا؛ لكن هذا الشعور الجميل بالبيت قد يتحول إلى كابوس إذا شعر الإنسان داخله أنه مقيد أو لا ينال ما ينشد من خصوصية وراحة، كما هو الحال في قصة (عريس الغفلة) [20] التي تحكي عن فتاة لم تتزوج بعد تسخرها أمها لخدمة إخوتها المتزوجين وأطفالها دون مراعاة لخصوصيتها أو ما ترغب في فعله فتفكر في الزواج من شخص مهاجر، وحين تأتيها الفرصة تشعر أنها لن تستطيع الابتعاد عن والدتها أو مغادرة بيتها.
وإذا ما اضطر الإنسان لسبب ما إلى مغادرة بيته، فإنه يشعر بالضياع والحيرة، ففي قصة (بين قطارين يغادر الشاب بيته بعد شجار حاد قام بينه وبين أبيه ويقف على محطة القطار بطنطا وهو لا يعلم إلى أين يذهب، أيذهب إلى أخته الحنون في الإسكندرية ويتحمل تلميحات زوجها الثقيلة؟ أم يذهب إلى خاله في القاهرة الذي سيحسن استضافته، بالرغم من سرقته لميراث وأمه؟
وبمجرد أن يرسل له أبوه رسالة يطلب منه الحضور إلى البيت لتناول طعام الإفطار الذي أعده، يوافق على الفور على الذهاب إلى البيت فهو ملاذه الأمن الوحيد.
وفي قصة (فرنكا) [21] تشعر البطلة بأن بيت مخدومتها هو بيتها؛ إذ إنها تلقى فيه كل أسباب الراحة وحين تزوجت عادت مطلقة بعد شهرين ، قائلة عن بيت طليقها:
” بيته يحتاج عربية البلدية لتنظيفه، لا بيت لي إلا هنا “3[22]
ونرى البطل في قصة ( هززت رأسي مستسلما) [23] يشتاق إلى بيته بعد أن كان يخطط لقضاء يوم طويل مع حبيبته القديمة، فبجلوسه في مكان انتقال عام أحس بالحنين إلى بيته الذي يجد فيه مساحته الآمنة.
ثانيًا أماكن الانتقال:
ومن هذه الأماكن الجراج في قصة فوطة زفرة[24] والمقهى في قصة بنت ذوات، فالجراج هذا المكان الضيق الخانق الذي يدل على العجز وعدم القدرة على التفاعل مع العالم الخارجي يتحول إلى مكان إقامة للبطل بسبب الفقر ، أما المقهى فتتحول إلى مكان إقامة شبه دائم بالنسبة للبطل العاطل في قصة بنت ذوات، مما يدل على الخواء الكبير الذي يعانيه.
وتشير أماكن الانتقال إلى تحول وشيك سيطرأ على الأحداث، فجابر في قصة (فوطة زفرة) سيتعلم ألا يأخذ بالمظاهر وأن يقنع بنصيبه في الحياة، فالمظاهر كثيرًا ما تخدع.
ثالثا الأماكن المتحركة :
وتشمل وسائل الانتقال، مثل عربة الكارو التي استقلتها جليلة في انتظار خروج ابنها من المصنع مما يدل على عدم الاستقرار في حياتها.
ثالثا الأماكن المفتوحة والمغلقة
وسواء أكان المكان محددًا أم لا ، فإنه قد يكون متسعًا أو ضيقًا، مفتوحًا أو مغلقا ، ولهذا معناه الرمزي المستمد من الخيال الإنساني ؛ فكلما اتسع المكان ارتبط بمعان محببة ، مثل الحرية والانطلاق وكلما ضاق بالمكان ارتبط بمعان غير مستحبة كالسجن والقبر والموت.
ومن الفضاءات المفتوحة والمغلقة في آن واحد، الفيس بوك الذي يمثل فضاء افتراضيا مستقلا بذاته ، فهو على اتساعه يتصف بالضيق ؛ إذ يجعل من ساكنيه جزرًا معزولة ، لكل فرد فيهم عالمه الخاص به ويبدو هذا بوضوح في القصة التي تحمل عنوان (حجج وهمية) [25].
في ختام دراستنا نخلص إلى أن المكان في مجموعة (ست جليلة ) لم يكن مجرد إطار جغرافي للأحداث بل تحول إلى فاعل سردي حي يحمل بين جنباته شجون الماضي ويعكس بصدق التحولات الاجتماعية والنفسية.
المصادر والمراجع
(1) هناء سليمان. (2025). ست جليلة (مجموعة قصصية). الاسكندرية: دار ايزادورا للنشر والتوزي
الهوامش
(1) هناء سليمان. (2025). ست جليلة (مجموعة قصصية). الاسكندرية: دار ايزادورا للنشر والتوزيع.
قصة (فوطة زفرة) ص 23-25
(2) المرجع السابق ص 45-48
(3) المرجع السابق ص 34-36
(4) المرجع السابق ص 45-48
(5) المرجع السابق ص 45-48
(6) المرجع السابق ص 43
(7) المرجع السابق ص 41
(8) المرجع السابق ص 5-8
(9) المرجع السابق ص 6
(10) المرجع السابق
(11) المرجع السابق ص 9-17
(12) المرجع السابق ص 10
(13) المرجع السابق
(14) المرجع السابق
(15) المرجع السابق
(16) المرجع السابق ص 61-72
(17) المرجع السابق ص 49-52
(18) المرجع السابق ص 108-110
(19) المرجع السابق
(20) المرجع السابق ص 18-22
(21) المرجع السابق ص 80-83
(22) المرجع السابق ص 83
(23) المرجع السابق ص 9-17
(24) المرجع السابق ص 23-25
(25) المرجع السابق ص 53-55







