
بقلم دكتورة / مريم المهدي
يعد الفساد ظاهرة منتشرة في كل النظم السياسية سواء في الدول المتفدمه او النامية علي السواء ولكنه يزداد في منطقة الشرق الاوسط والقارة الافريقية , كما ان الفساد وغياب الشفافية والنزاهة ظاهرة
متعددة الاوجه ذات ابعاد اجتماعيه واقتصادية وسياسية والفساد في ابسط معانيه هو سوء استخدام المنصب العام من اجل التربح الخاص بطرق غير شرغية .
منذ تولي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي السلطة عام 2014، أعلن في التاسع من ديسمبر من العام نفسه عن إطلاق استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة الفساد، وذلك بالتزامن مع اليوم العالمي لمكافحة الفساد، في احتفال رسمي أقيم بمقر هيئة الرقابة الإدارية. جاءت هذه الاستراتيجية تطبيقًا للمادة (218) من الدستور المصري التي تلزم الدولة بمكافحة الفساد، وتنص صراحةً على ضرورة تنسيق الهيئات والأجهزة الرقابية المختصة فيما بينها لتعزيز النزاهة والشفافية، وضمان حسن أداء الوظيفة العامة، والحفاظ على المال العام، بالإضافة إلى وضع الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد ومتابعة تنفيذها بالشراكة مع الجهات المعنية الأخرى، وفقًا لما يحدده القانون.
وتتمحور الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد حول ثلاثة محاور رئيسية؛ أولها إصدار القوانين واللوائح التشريعية الداعمة لمكافحة الفساد، وثانيها تعزيز قدرات الجهات الرقابية والقضائية وتمكينها من تطبيق الاستراتيجية بكفاءة، وأخيرًا محور الإرادة السياسية التي تعد القوة المحركة والداعمة للمحورين السابقين، باعتبارها الشرط الأساسي لنجاح جهود مكافحة الفساد.
وعقب إطلاق هذه الاستراتيجية، تأسست في عام 2017 الوطنية لمكافحة الفساد» التابعة لهيئة الرقابة الإدارية، وهي مؤسسة متخصصة تتولى تنظيم دورات تدريبية سنوية وفق برامج وخطط معتمدة، مخصصة لأعضاء الهيئة، إضافةً إلى عقد المؤتمرات والندوات وحلقات النقاش التي تستهدف نشر ثقافة النزاهة والشفافية، وزيادة الوعي العام بمخاطر الفساد وطرق مكافخته .
مؤشر الفساد بعد عشر سنوات من الاستراتيجية الوطنية:
بعد عشر سنوات متواصلة من الوعود بخطط “الإصلاح الإداري” ومكافحة الفساد ، كشف تقرير مدركات الفساد عن عام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية من مقرها في برلين في 10 فبراير/ شباط 2026، أن مصر لم تتحرك خطوة واحدة عن موقعها المتأخر عالمياً المسجل لعام 2024، لتقف عند 30 نقطة من معدل 100 نقطة وتصبح الدولة رقم 130 من بين 182 دولة مسجلة في مؤشر مدركات الفساد.
بيّن المؤشر الصادر في اليوم العالمي لمكافحة الفساد، أن سجل الفساد في مصر خلال العقد الماضي ظل راكداً عند مستوى متدنٍ للغاية، بما يعكس اتساع فجوة الشفافية وضعف فعالية المؤسسات الرقابية في الدولة، وتضييق المساحة المتاحة للمجتمع المدني من صحافيين ومنظمات غير حكومية ومبلغين عن المخالفات في الكشف عن إساءة استخدام السلطة، رغم تصاعد الانتقادات الداخلية والخارجية المراقبة لمؤشرات الفساد.
سجلت مصر 30 نقطة فقط على المؤشر لعام 2025، وهو المستوى نفسه الذي حققته في 2024، وما قبلها -تقريباً- في أعوام متلاحقة، ليصبح هذا الرقم شاهداً على عشر سنوات من الجمود عند نقطة متدنية من مستويات الشفافية وقدرة الحكومة على الحد من الفساد .
رصد مؤشر مدركات الفساد منذ 2015 وحتى 2025 بقاء الأداء المصري دون أية قفزة نوعية، وأي تحسن يُذكر في ترتيبها العالمي والإقليمي، ليظل مركز مصر في الثلث الأخير من دول العالم، وعلى بُعد من المتوسط العالمي البالغ نحو 43 نقطة من 100 نقطة.
رسالة سياسية واقتصادية:
يعتبر خبراء أن بقاء مصر في تلك المرتبة المتدنية ليس مجرد مؤشر فني، بل رسالة سياسية واقتصادية عميقة الخطورة، موضحين أن المؤشر يعتمد على تقييمات خبراء ورجال أعمال ومؤسسات بحثية محلية ودولية رصينة، من بينها البنك الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي، والتي رصدت خلال السنوات الماضية وجود مصر في موقع لا يتغير، في حين تحقق دول مجاورة، من الخليج العربي إلى المغرب، تحسناً تدريجياً يعزز ثقة المستثمرين ويخلق بيئة تنافسية جاذبة.
تهديد الاستقرار المجتمع
يحذر كمال من أن استمرار مستويات الفساد الحالية يهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي قائلاً: إن الفساد يرفع تكلفة المعيشة، ويضعف توزيع الموارد، ويُقنّن اللامساواة، وفي ظل بقاء مصر عند مستوى 30 نقطة من أصل 100 يعني أن “الدولة تخسر ثقة المستثمرين والمواطنين معاً”، مبيناً مخاوفه من وضع الحكومة المعارضين للفساد في زاوية المخالفين لتوجهات الدولة، بما يعمق الهوة بين فئات المجتمع، حيث تتمتع قلة بخيرات البلد، وغالبية كاسحة تتجه إلى الفقر وتنحدر فئة أخرى نحو الفقر المدقع، بما يجعل عيشة الناس مستحيلة في ظل انتشار الفساد المتصل دوماً بالمحسوبية وإهدار المال العام.
اسباب سياق الفساد في مصر:
في السياق ذاته، لا يكتفي تقرير “الشفافية الدولية” بالتسجيل الرقمي لمعدلات الفساد، بل يحلل سياق الفساد في مصر، مشيراً إلى ستة أسباب أساسية لعدم حدوث أي تحسن، منها غياب الشفافية في الإنفاق العام مستنداً إلى تقارير منظمات دولية تشير إلى ضبابية في البيانات المتعلقة بالعقود الحكومية والمشتريات العامة، خصوصاً المشروعات الكبرى التي لا تخضع لإفصاح كامل أو منافسة شفافة.
يشير التقرير إلى غياب حماية المبلغين، حيث تعمل مصر بلا قانون فعّال يحمي من يكشف الفساد، ما يجعل المخالفات تُدفن بصمت، داعماً لما يؤكده المركز المصري للدراسات الاقتصادية الذي نشر أكثر من تقرير خلال عام 2025، ينتقد غياب إطار قانوني يحمي من يبلغون عن الفساد.
ويبين التقرير تراجع دور الإعلام والمساءلة، مؤكداً أن البيئات التي تقيد الإعلام الرقابي تسجل أداءً ضعيفاً على مؤشر مدركات الفساد، وأن غياب صحافة حرة يفتح المجال لانتشار الفساد دون مساءلة. كما يوضح أن تعقيدات البيروقراطية واتساع سلطات الأجهزة التنفيذية، في ظل سيطرة الجهات الحكومية على قطاعات الأراضي والتراخيص والمشتريات الحكومية والخدمات المحلية، تشكل بيئة خصبة للفساد على مستوياته يشدد التقرير على أن فجوة البيانات العامة عن الأعمال الحكومية والمالية للدولة تعد من أبرز النقاط التي تكررها منظمة الشفافية الدولية، والتي تتعلق بغياب قواعد بيانات مفتوحة تمكن الباحثين والجمهور من تتبع الإنفاق العام، وذلك بالتوازي مع ضعف استقلال الأجهزة الرقابية لافتقارها إلى قدرٍ كافٍ من الاستقلال المالي والسياسي، بما يقلل قدرتها على ملاحقة الفساد داخل الدولة ذاتها.كافة بداية من الصغير والمتوسط .
يشدد التقريرعلى أن فجوة البيانات العامة عن الأعمال الحكومية والمالية للدولة تعد من أبرز النقاط التي تكررها منظمة الشفافية الدولية، والتي تتعلق بغياب قواعد بيانات مفتوحة تمكن الباحثين والجمهور من تتبع الإنفاق العام، وذلك بالتوازي مع ضعف استقلال الأجهزة الرقابية لافتقارها إلى قدرٍ كافٍ من الاستقلال المالي والسياسي، بما يقلل قدرتها على ملاحقة الفساد داخل الدولة ذاتها.
اثار الفساد المدمرة علي شعب مصر:
الشعب المصري الصبور، الداعم لاستقرار وطنه، ويقف بصلابة خلف قيادته وجيشه، ليس طامعًا في أكثر من حياة بسيطة وكريمة، كما لا يطلب المستحيل، أو تحقيق المعجزات.. فقط «يريد حد يعبره».
الآن ـ في ظل ما نعيشه من أزمات، متراكمة ومتفاقمة ـ لو سألنا غالبية المصريين، عن أمنياتهم البسيطة، التي يرجونها ويأملون تحقيقها، سنجد الإجابة فورية ومختصرة: «إحنا مش عايزين كتير.. بس حد يسمعنا ويشعر بمعاناتنا ويعبرنا».!!
إذ، الشعب يريد مسؤل يشعر ( بمعاناته ويعبره ) في نظام صحي حقيقي، في ظل مستشفيات حكومية لا تستوعب المرضى، وأجهزة متهالكة أو غير متوفرة – وعلى الرغم من ذلك تم خصخصتها – إضافة الى نقص حاد في الأدوية، ومواعيد انتظار طويلة، وأطباء مرهَقون ما بين ضغط العمل وقلة الإمكانيات.. وهنا نتحدث عن غالبية عظمى لا تستطيع دفع فواتير المستشفيات الخاصة، التي أصبحت للاثرياء فقط!!
الشعب يريد مسؤل (يشعر بمعاناته ويعبره ) في التعليم، الذي أصبح «حقول تجارب»، في ظل انهيار البنية التحتية وتردّي المناهج، وفصول مكتظة، وإمكانيات غير متوفرة، ومعلم تائه بين قلة المرتبات والظروف القاسية.. أما مستوى الخريجين فـحدث ولا حرج!!
الشعب يريد مسؤل ( يشعر بمعاناته ويعبره ) في نقلٍ آدمي، من خلال وسائل انتقال تتوافر فيها شروط الأمن والسلامة، حتى يكون المواطن آمنًا على نفسه وأبنائه في الانتقال، وبالتالي وقف نزيف الدماء اليومي المتكرر على الإسفلت.
الشعب يريد مسؤل ( يشعر بمعاناته ويعبره )، بعد أن أصبحت أقصى أحلامه وأمانيه، أن تكون فواتير الكهرباء والمياه والغاز معقولة، مع انتظام الخدمة وتوفرها بشكل دائم، دون انقطاع، وألا يكون الهدف دائمًا الجباية تحت شعار: ( إدفع بالتي هي أحسن ) !!!
الشعب يريد مسؤل ( يشعر بمعاناته ويعبره ) في مطالبه العادلة، من خلال حكومة خادمة للشعب، وليس شعب خادم للحكومة ، وأن يكون اختيار المسؤول عبر الكفاءة، وليس الثقة، وتعزيز الشفافية وسيادة دولة القانون ومكافحة الفساد، وأن تجتهد الحكومة في حل الأزمات وليس تصديرها، وتحميل المواطنين فاتورة الفشل والإخفاق.
الشعب يريد مسؤل ( يشعر بمعاناته ويعبره )، للتخلص من حالة الضيق والضغط النفسي المتزايدة، نتيجة الارتفاع الجنوني للأسعار، الذي أصبح يهدد قدرته على تلبية أبسط متطلبات حياته اليومية، إذ تحولت معاناة الحصول على الاحتياجات الأساسية التي هي كابوس دائم يلاحقه، والنتيجة زيادة الفقر وتقلص فرص الاستقرار الاقتصادي، وسط ارتفاع مستمر في أسعار السلع والخدمات.
الشعب يريد مسؤل ( يشعر بمعاناته ويعبره ) بأن يُسمع صوتُه، وأن يرى أثرًا ملموسًا في «إنجازات الحكومة» على حياته اليومية والمعيشية، وأن يُعامل كإنسان لا رقم، خصوصًا أن الواقع المرير الذي يعيشه الشعب، سينعكس سلبًا على واقعه الأليم، ليشمل أبعادًا اجتماعية وإنسانية خطيرة، سينتج عنها تنامي مشاعر الإحباط واليأس والقلق في نفوس الناس، وضبابية المستقبل.
الآن، ف ي ظل غياب حلول عاجلة وفعالة، سوف تتضاعف معاناة المصريين، مما يستدعي تحركًا حقيقيًّا من كافة الجهات المعنية، لضبط الأسواق وتحسين أوضاع المواطنين، لأن استمرار هذا المسار سيؤدي باضرورة إلى تفاقم الأزمة، وتأزم الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
لذلك، المصريين لا يريدوا وعودًا غير حقيقية، أو استفزازًا يتجاهل الواقع البائس والمرير، لأننا في أزمة حقيقية خانقة، وحكومتنا الرشيدة لا تكترث لمعاناة الناس، وكل ما يشغلها حرصها على الرفاهية المفرطة، بالتنقل صيفًا إلى العلمين، وشتاء في العاصمة الإدارية الجديدة، رغم تصريحات الحكومة بأنها في حالة تقشف واقتصاد الحرب .!!!!للأسف، عندما نقول ( الشعب يريد مسؤل يشعر بمعاناته ويعبره ) ، نرجو ألا تكون الإجابة أننا نعمل للأجيال القادمة، دون تحديد أي جيل وأي زمان، وأن نجد إجابة واضحة عن مصير الجيل الحالي الذي تحمَّل ما تنوء بحمله الجبال، ويئن تحت وطأة العوز وقسوة الحياة اليومية ومعاناته مع الغلاء وتزايد الفقر والفقراء.

