
قصة: مراد ناجح عزيز
منذ فترة ..
أصبح قليل النوم كمن يعاني أرقًا نتيجة لشيء ما, الأمر لا يخرج عن كونها حالة طارِئة, أعضاء الجسم كانت تعمل بطاقة كاملة طوال سنوات, وقد فقد الجسم الكثير من تلك الطّاقة التي خلّفتها سنوات العمل اثر خروجه للمعاش, وبعيدًا عن تكهّنات زوجته, كان يرى أن تناوله للعديد من فناجين القهوة في الأيام الأخيرة ربّما كان السّبب الحقيقي في ذلك.
بعد صلاة المغرب, اعتاد وبعض الأصدقاء قتل الوقت ليلًا في احد المقاهي, رائحة الدّخان تُعبّأ المكان, ضجيج الطّاولات بالقرب منهم أفقدهم شهيّة الكلام لبضع دقائق, قبل أن يبدأ بلهجة مضطربة ومتغطرسة حديثه, وكأنّه أتى من زمن بعيد في ثياب احد الأمراء وبيده سوط يجلد به من اخطأ من رعيّته, ليصيح في وجه النّادل وكلمات التأنيب تنطلق في وجهه واحدة تلو الأخرى كأحجار صغيرة, لا لخطأ جسيم ولكنه فقط فنجان قوته بارد, أنهى كلامه بعد أن انصاع النادل لطلبه في تبديل فنجان القهوة, وأمام اعتذار النّادل عمّا حدث, هدأ قليلًا , ثم عاد إلى ما كان عليه سريعًا, من وداعة ولين, طأطأ رأسه متأسّفًا على ما بدر منه بقوله: ربما حالة الأرق التي تنتابني في تلك الأيام هي سّبب انفعالي, استرعى انتباهه بقايا سجائر من نوع غالي الثّمن تملأ أرضية المكان, وبسؤاله عمن كان يجلس هُنا قبل قليل, اخبره النّادل:
(حكيم باشا) هكذا يناديه أصدقاؤه وهو ابن باشاوات بالفعل, مستطردًا كان جدّه صاحب القصر القديم على مشارف المدينة, وكان له من الخدم والحشم الكثيرين وابعديّة من الأرض بامتداد رؤيّة العين, حديث عابر لم يلتفت إليه احد, إلا وكانت جلستهم التالية في نفس المكان, وحديث احدهم عن وعكة صحيّة ألمّت به أول أمس, وإذا به ينطلق في وصف بعض الأدوية اللازمة لتلك الحالة, على الرغم من خوفه تناول أي أدوية دون الرجوع إلى طبيب متخصص, إضافة إلى خوفه من تناول الأدوية عامة, وفي إشارة من احدهم تَحمل بعض الخُبث, سأل النادل: كان يجلس
هُنا منذ قليل طبيب أليس كذلك؟ ويالها من مفاجأة غير متوقّعة, أجاب النّادل: بالفعل ( الدكتور مينا) رجل كريم والجميع يُحبّه, أتذكر كانت لدينا حالة مرضيّة في وقت متأخر من الليل شتاءً, وعندما ذهبنا إليه, قام بالكشف وكتابة الدّواء اللازم دون أن يتقاضى أجرًا, قاطعه احدهم: أنت كثير الكلام وكأنّك تقوم بالدّعاية له, الأمر لم يخرج عن دائرة المصادفة لا أكثر وان تكرر ذلك ألاف المرّات.
كان لتلك الليلة اثر بالغ, حتى انه كان يتعمّد الجلوس بمكان احد أبنائه الصّغار متمتمًا: لعلّي اشتاق لبعض الحلوى وركوب الدّرّاجة والخروج عاريًا تحت المطر, يالها من كارثة لو أن تلك الحالة لا زمتني وكانت جلستي بمكان رجل محتال, رائحة شِواء يسيل لها اللعاب اشتياقًا, وبحاسّة المرأة الخبيرة, انطلقت زوجته من مِقعدها تجاه المطبخ, وكانت الفُرصة سانحة لاختبار تلك الحالة, فربّما تقمّص روحها الغاضبة قليلًا أو أقدم على عمل فنجان قهوته بنفسه وهو ما لم يحدث أبدًا أو امتدت يده إلى إبرة الخياطة لترقيع بعض الجوارب الممزقة لا ستعمالها في تدفئة الأقدام في الليالي الشتوية, ولما طال انتظاره أن يحدث ذلك, هم بالخروج كعادته قائلًا: زوجتي
لا يستطيع احد تقمّص روحها (مبتسمًا حدّث نفسه).
ولمّا كانت جلستهم التالية, طلب فنجان قهوته المعتاد, التقط خيطًا من حديث احدهم مستطردًا في حديثه عن فقدان ميدالية مفاتيحه داخل( توكتك) بالأمس, واشد ما يؤرّقه أن تستنسخ الذّاكرة نفسها لأيام وأحداث مضت, متذكّرًا حادثة رحيل والده بعد أيام من فقدان دِبلة زواجه, فربّما كان في ذلك إشارة لحدث لا يتمنّاه, تعرّق وجهه بغتة, ضغط بيده إلى مكان بناحية القلب, انتابه شُعور بالغثيان, سقط على إثر ذلك مغشيّا عليه, ولما أفاق من غيبوبته, نظر يمنة ويسرة تجاه أصدقائه, ابتسم وقال:
(أنا كنت قاعد مكان مين النّهارده؟) أجابه احدهم: الأستاذ .. , قاطعه صوت
ميكروفون الإذاعة مخترقًا الأبواب والشّبابيك, أنصت إليه الجميع في ترقّب,
وإذا به يعلن وفاة الأستاذ( وفيق).
