
رحاب مدين
قال: هل عرفتَ الحب؟
قلت: عرفه يوم عرفني!
قال: كيف كان حبك له؟
قلت: أراه كان لا مشروطًا، لا محدودًا، لا يحده زمن، ولا تخذله مسافة!
قال: وهو، كيف كان حبه لك؟
قلت: رآه تعويضًا عادلًا لما لاقاه في حياته. أحب أحدًا حرره، أحدًا علمه أشياء يحبها، علمه أن هناك شيئًا آخر غير هذا الذي نراه… شيء نؤمن بوجوده وإن كنا لا نراه!
أفنى عمره بحثًا عن أحد يشبهه، فصدمته خيبات كثيرة. ولما أنهكه البحث، إذا بنفحة من الحظ السعيد جمعته بشبيهه المفقود، ولأنه لم يكن يصدق… أضاعه منه!
قال: أين هو؟
قلت: تائه… حتى يجدني!
قال: وأين أنت؟
قلت: ضائع… حتى ألقاه!
ما أتقنت شيئًا في حياتي غير الضياع فيه.
وحياتي… انتظارًا للقائه!
قال: لا تسجن نفسك بهذا.
قلت: ليت السجن أسوارًا وجدرانًا.
السجن هو ذكرياتنا معًا، وأفكارنا المتشابهة، وشعورنا الواحد.
متى نسينا كل هذا… تحررنا!
قال: دعه، وفكر في وجودك.
قلت: وجودنا معًا زادنا قوة!
قال: كيف يراك؟
قلت: أمه.
قال: وأنت كيف رأيته؟
قلت: أبي!
قال: ماذا كنت له؟
قلت: كنت له السعادة التي أتمناها لنفسي!
قال: هل نظر إلى عينيك؟
قلت: أواريهما بعيدًا عنه كي لا يقرأ فيهما ذلك الأسى عليه.
خشيت عليه الإبحار في سوادهما.
قال: هل صافحك بكفه؟
قلت: لا… خشيت أن تنبت الآمال بكفينا، وخشيت إن أفلت كفه كفي، ألا يمكنني وقتها حصر الفقد والخسارة… فجمع أوراق الخريف بحديقتي مستحيل!
قال: هل أنهيت معه أمرًا ما؟
قلت: لا أملك رفاهية الإنهاء معه.
معه… كل شيء أبدي.
قال: هل أهداك هدية؟
قلت: كان يفكر بذلك، لكنه أهداني حلمًا… لم أفق منه!
قال: أأنت تتعذب؟
قلت: عذبني شعوري بأني كنت دومًا الطرف الأكثر حبًا، والأكثر اعترافًا.
ما كنت أعلم أنني سأشتري سعادتي معه… بكل هذا الألم!
قال: أرسل له رسالة قصيرة.
قلت:
«انسَ أمر ضحيتك، ولا تدع ذكرياتنا معًا تعذبك.
لا تقاسِ من أجلي، يكفي ما قابلناه من قسوة.
أَنكون نحن والزمان علينا؟»
قال: ماذا يفعل الآن؟
قلت: يفجر طاقته الروحية في جلد ذاته بسياط اللوم.
قال: هل ستمكث معه؟
قلت: لا… لا يمكنني أن أمكث من أجل أحد لا يجرؤ أن يجعلني أولى أمنياته!
قال: أكان عادلًا؟
قلت: ليس معي.
إن ظلمه أحالني عبدًا أبديًا له، يركع من أجل لحظة شفقة يمنّ عليه بها سيده المكابر.
قال: أين هو الآن؟
قلت: لا مكان يسعه حقًا.
إنه هارب من نفسه، شتات يلقاه في مأمنه القديم.
هذه الدنيا لم تعد تشبهه، وهذا العالم لا يحتويه.
وأنا… المكان الذي يريد الهروب إليه.
قال: صارحه بحبك.
قلت: ليس قبل أن يصارح نفسه.
إنه يراوغ نفسه، ويخشى أن أسترده.
قال: وأنت، أين أحلامك؟
قلت: جمعتها من السماء، وأخفيتها تحت وسادتي.
قال: بماذا فزت إذًا؟
قلت: نابني منه ألم فراقه…
بهذا قد فزت!
قال: وماذا فعلت بها؟
قلت: تلك الآلام عبأت صدري بتنهيدة، أطفأت بها مصابيح الكون، وتفرغت لشعورها.
أدمنت عذابي بها.
ولا أدري كيف أستسلم لشعور يقتلني بهذه الوحشية!
أريد أن أقضي حياتي كلها أسفًا وحزنًا على فراقه.
أخشى أن أفقد متعتي في عذابه، فأفشل في إيجاد عذاب آخر يشعرني بذلك الألم الجميل.
أنا أشكر لقاءه وفراقه…
فحياتي توقفت بين تلك الكلمتين.
أنت لا تعرف معنى أن يُحسم مصيرك بينهما.
حتى إنني لم أعد أنتبه إلى آلامي.
صرت أراها مرادفًا ملازمًا للحب.
يا الله… حاشاك أن تديم علينا العذاب.
قال: قابله، وأنهِ ذلك الحرمان.
قلت: خفت عليه إن قابلته، أن تطيش عواطفه معي، وعواطفي معه.
خفت أن يكسر قارورة العطر لديّ ليشم رائحتها بقوة…
فتكون المرة الأخيرة!
قال: إلى ماذا تنظر؟
قلت: أنظر من خلف نافذتي المغلقة…
أنتظر شيئًا ما…
وأعلم أن لا أحد يأتي.
ولا نبوءة لدي تخبرني…
أن أحدًا، يومًا ما، سيأتي
لكني مازلت انتظر خلف نافذتي… !!.








