
بقلم: محمد سعد عبد اللطيف-مصر
في لحظة بدت لكثيرين كعلامة تحوّل، ظهر أحمد الشرع بزيه المدني متحدثًا بلهجة براغماتية عن مستقبل سوريا. فُسرت تلك الإطلالة لدى البعض كأن البلاد على أعتاب ما بعد بشار؛ سوريا جديدة، وربما مختلفة جذريًا. لكن التجربة العراقية كانت قد علّمت من أراد أن يتعلّم: لا تمثال يسقط دون ظلّ أطول منه، ولا نظام ينتهي دون أن يخلّف أشباحه في أزقة المدن، وعلى حدود الهوية، وفي نبض الجغرافيا.
عندما سقط تمثال صدام حسين في بغداد، كان المشهد أقرب إلى إسقاط طاغية منه إلى ولادة دولة. وحين تحطّم تمثال آل الأسد في عاصمة الأمويين، بدت الصورة كأنها إعادة لما جرى في بلاد الرافدين، لكن مع فارق أن خيوط اللعبة كانت أكثر تعقيدًا، والجغرافيا أكثر عنادًا.
لا يمكن النظر إلى ما جرى ويجري في دمشق وبغداد من زاوية واحدة. إنها ليست فقط حكاية استبداد سقط أو ثورة قُمعت، بل هي بنية كاملة تعيد إنتاج نفسها بأدوات جديدة. القاتل والضحية باتا يتبادلان المواقع، والأقنعة تتغيّر بينما يبقى المسرح ذاته كما هو، تديره ذات القوى التي تتقاطع مصالحها فوق الدماء.
هنا، يلوح طيف جمال حمدان، ذلك الجغرافي الذي لم يكن يقرأ الطالع، بل يقرأ عبقرية المكان والزمان. حين تحدث عن العراق والشام، لم يكن يتنبأ، بل كان يرصد التصدعات الكامنة في البنية، المتوارثة من الجغرافيا والتاريخ والسياسة، ويرى فيها نذر تفكك لا يحتاج إلى انقلاب عسكري أو تدخل خارجي، بل فقط إلى لحظة اهتزاز واحدة لتنهار الصورة.
ما بين الطوائف والأقليات، والأقاليم والنفوذ، يتحول الداخل إلى ساحة صراع دائم. الطائفية لم تكن فقط أداة داخلية، بل تحولت إلى أداة خارجية. إيران وتركيا وإسرائيل، كلٌّ منها يرى في دمشق امتدادًا لأمنه القومي، كما كانت بغداد قبلاً ملعبًا لإعادة رسم خرائط النفوذ. فصارت السيادة الوطنية شعارًا مستهلكًا، والدولة مجرد إطار هشّ تحكمه اتفاقات غير مكتوبة بين لاعبين لا يرون الإنسان إلا رقمًا في ميزان القوى.
وفي هذا السياق، تغدو الشعارات الديمقراطية التي رُفعت فوق الدبابات، سواء في بغداد أو دمشق، غطاء هشًا لحقيقة مريرة: لا ديمقراطية تصنعها الجيوش، ولا حرية تُفرض من الخارج. الكيانات السياسية الهشة، المحمية بقوة الميليشيات أو بتفاهمات إقليمية، لا تملك روح الدولة. هي محميات لا أكثر، تنتظر صفقة أو حربًا جديدة.
العراق لم يُنتج “دولة” في المنطقة الخضراء، وسوريا ما بعد 2011 لم تُنتج إلا وجوهًا جديدة على نفس الجثة. أما لبنان، فظل يتنفس عبر رئة الآخرين، والجولان، كجرح مفتوح، بات يشهد حروبًا تُخاض بأسماء ليست له.
النتيجة؟ مشهد مركب من التفكك المنظّم، وانهيار مفاهيم الدولة، وصراع على الهوية. تقسيم المُقسّم، كما كتب البعض، لم يعد سيناريو مؤجلاً، بل واقعًا يُدار بالقطارة، تحت أنظار العالم، وبرعاية وكلاء الدم.
إن الجغرافيا السياسية للمنطقة، بكل تشابكاتها وتعقيداتها التاريخية والإثنية والطائفية، لا يمكن فهمها من خلال منشور على فيسبوك أو قراءة سطحية على مقاهي العالم الافتراضي. إن هذا المشهد يحتاج إلى قلمٍ يدرك معاني الزمان والمكان، وعيون ترى ما وراء المرايا، لا مجرد أهواء شخصية أو ولاءات مؤقتة.
محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية،،،، saadadham976@gmail.com








