
الأديبة الكاتبة هدى حجاجي
علَت الأصوات:
– أمسكوا هذا الفتى!
– لا تجعلوه يهرب!
تجمّع سكان العمارة، أغلقوا عليه الباب واتصلوا بالشرطة.
قال أحدهم:
– شرطة؟! هل ننتظر الشرطة؟! لابد أن نضربه، ولنجعله عبرة لغيره.
– كيف تجرأ؟! وكيف سمح لنفسه بهذا؟! ماذا يعتقد فينا؟!
وبعد أن أبرحوه ضربًا أغلقوا عليه الباب في انتظار قدوم الشرطة. بدأ يلهث ويستعيد أنفاسه، متمنّيًا أن تُسرع الشرطة بالحضور لتنقذه من أيديهم… فقد لم يعد يحتمل مزيدًا من الضرب واللكمات.
جلس يستعيد ما حدث معه… يسأل نفسه: كيف وصل إلى هنا؟ ماذا كان يجب أن أفعل؟ ولماذا يلومني القدر بكل هذا العنف؟!
تأخرت الشرطة، فاندفعت إليه الذكريات…
كان يمشي على الرصيف، بين موجات من اللحم البشري الساخن اللزج. يشعر بالغربة رغم الزحام. يمشي متهدّلًا، يحمل طائر الحزن على كتفه. تتصفح عيناه لافتات الدكاكين والحوانيت المنزوية في الاشتباه، يقطع الطريق بانحناءة فجائية. عينه لا تعي هذا السيل من الصور. لا يدري كيف وصل إلى تلك البقعة الصغيرة من العالم، البقعة الهائلة الغاصّة بالأسواق، بالهمهمات، بالوجوه البليدة المتخشبة… غابات من الأسمنت.
وحين أراد شقة لم يجد. الأرقام المطلوبة فوق طاقة أي موقف… أرقام فلكية!
ولحل المشكلة كان أمامه أحد خيارين: النفي إلى الخارج لخدمة الآخرين، أو النفي إلى الداخل.
وحين عرض على خطيبته أن يعيشا في الواحات أو في الصحراء، اتهمته بالجنون. أما حماته فقد انفجرت قائلة:
– ألم أقل لكِ إنه مجنون رسمي؟!
كان سيلٌ من المطر الأسود ينهال على قلبه وعلى المدينة. وأكثر ما يؤلمه أنه لا يعرف الحل.
اتهمه زملاء العمل بانغلاق التفكير:
– إنه لا يتفاهم!
– يا أخي عش ودع غيرك يعيش!
– الدنيا جنيه، والعالم قرش!
همهمات جهنمية، همسات كمسامير في نعش الفؤاد. يمشي في دروب طويلة، يطرد هواجس الهاموش، يمنع اللون الرمادي أن يتسلق إلى ضميره.
كيف انتهى به البحث عن شقة إلى لا شيء؟!
غرفة مفروشة صغيرة فوق السطوح، على شكل حرف “L”، وصالة صغيرة مستديرة كحبل المشنقة. صاحبة العقار سيدة تعرف ما تريد، وتعرف كيف تصل إليه. كثيرًا ما ترتطم به على السلم أثناء انقطاع التيار الكهربائي… الأمر صدفة!
ينزوي في ملابسه، تنكمش أعضاؤه في داخله. يعود متأخرًا كل يوم لأنه يمشي بلا هدف، يجوب المدينة الواسعة. يعود كل ليلة وقد دبّ الارتخاء في قدميه، يحمل جريدة يومية وربما كتاب شعر وكيسًا به عشاء خفيف: جبن، زيتون أسود أو أخضر، جبن رومي، وأحيانًا بسترمة أو بيض وقليل من الخبز. يأكل حتى تمتلئ معدته، وعيناه على الجريدة وأذناه مع الراديو، يستمع إلى دشيش الأقطار البعيدة، ويمزج ملح طعامه بأخبار الهزائم والنكسات والتبريرات العقيمة.
وربما استوقفه خبر خطف طائرة… عرب يخطفون عربًا! صور مضيفات جميلات مقتولات.
كانت تصعد إلى سطح المنزل امرأة أربعينية، لا شك أنها صاحبة المكان. هل جاءت تطلب الهواء النقي؟ أم لتطل من فوق السطح على واجهات البيوت الأخرى؟
في يوم عطلة جلس على الكرسي، أمامه كوب الشاي والجريدة، لكنه كان يستمتع أكثر بمشاهدة النمل وهو يجري في الشوارع، والسيارات الصغيرة الملوّنة تقطع إشارات المرور.
وأحيانًا تفتعل الصدفة نفسها. تأتي السيدة الجريئة، تطلب من يؤنس وحدتها. عينان تلتهمان كل شيء. وجه ممتلئ، ساعد بضّ مثقل بالأساور الذهبية، خاتم ماسي، شعر أسود يحيط بوجهها العريض، تعلوه أشارب أحمر.
ربما توهم أن الفرصة متاحة، لكنه لا يعرف لماذا يخاف. إنها امرأة جميلة، غنية، سهلة… تأتيه مثل رشاوى الصباح. لكنه أعلن الصوم عن اللحم. شيء في داخله يدعوه لرفض عالم متآكل.
اختلطت في أعماقه معاني الطموح والاستشهاد. كان يجري وراء أوهام: العلم بلا حدود، الفن بلا تخوم، الفكر هو المستقبل. لكن قدميه متورمتان. نعم، حفيت قدماه بحثًا عن سكن يصلح لعائلة وهمية يمكن أن يكونها في المستقبل.
الكل يطلب جزية تقصم الظهر. لا يدري لماذا يتقزز من عالم متهافت. رغم أنه ابن تاجر بسيط ينحدر من فلاحين بسطاء، جاءوا إلى المدينة هربًا من انغلاق القرية وربما وراء أوهام أو وراء خبز قمح طازج أو سهر أو نساء أهل البنادر.
لكن النتيجة كانت مخيبة للبعض، باهرة للبعض الآخر.
أبوه كان دائرة تدور في التيه، يلعق أوهام السعادة مع لقمة دسمة معمولة بيد امرأة جميلة، ويتقلب في فراش ناعم، أفضل بكثير من النوم على حصيرة جافة فوق الفرن، في حواري طينية، وليالٍ مظلمة شتوية، وهو من صلب رجل لا يعرف طعم الخصوصية. فلا مانع عنده أن يعيش مع عدة أسر في شقة واحدة، نظام الثكنات… مما جعل صاحبنا يمقت هذه اللزوجة واختلاط الأنفاس والأجسام التي لا تمنع يدًا لامست.
واضحًا كان يعاني ويتنفس الغربة والغرابة والاستغراب. يتنفس الماضي المعبق برائحة الغبار، لا يتوقف عن ذكريات سرطانية وخلايا خبيثة. كان دائمًا يبحث عن الخصوصية.
يمشي… يطول به الطريق… تطالعه عشرات الوجوه، مئات الأسماء، آلاف الأمكنة، ملايين الألوان، وتهاويل التفاصيل. ولكن هل ابتعد كثيرًا، أم أن الأشياء هي التي ابتعدت عنه؟
سألته صديقته في الجامعة ذات يوم مشمس تحت شجرة جميز عتيقة:
– ألا تضع لمستقبلك خطة؟
لا يدري ماذا يقول لها ولماذا تحرك فكره. قال:
– المستقبل بيد الله.
ابتسمت… لكنها راحت تقلب السؤال بجدية:
– ألا تؤمن بخطة؟ ألا توجد عندك خريطة؟
قال:
– ماذا تعنين بخطة؟ وهل حياتنا نهندسها بخطط؟ لا أعرف. هل هندس أبي زواجه من أمي؟ ولا أدري لماذا اخترت هذا المكان لأجلس فيه دون غيره!
ضمّت كتبها على صدرها الصغير وقالت، وقسمات وجهها الجميل يقطر جدية:
– حينما يدخل الطالب كلية الطب، يعني أنه اختار مهنة الطب، وأنه لن يعمل في الهندسة أو المقاولات أو تصنيع الجبن. هناك دائمًا تصور لما نعمله، أليس كذلك؟
قال:
– لا أدري ما أقول لك… ولكني عرفت من درس الطب ثم اشتغل بالأدب واشتهر بالشعر والقصة، وعرفت من درس الهندسة واشتغل بتجارة الأجبان والألبان…
فقالت:
– ولماذا نتخذ الشواذ قاعدة؟
الطريق ممتد، واللافتات مكتوبة بحروف عربية ولاتينية، يتوارى خلفها أو أمامها الوجه الجميل.
وذات مرة سألته صديقته:
– أراك تهتم بالأدب وهو ليس تخصصك؟
قال:
– تذكري، الأدب هو إحساس… وليس مهنة.
– أترى ذلك؟
– بكل تأكيد. من قال إن الانفعالات مهنة؟
– هناك من يحترف الأدب.
– لا أتكلم عن “المطبعجية”!
ثم يتوارى مرة أخرى الوجه الجميل… الوجه الذكي المثقف. ونسى القوام الجميل. كان غيره أذكى منه… لقد رآها تلاعبهم بالكرة، ويجلس إلى جانبهم رجل ممتلئ، عرف أنه زوجها، صاحب معرض سيارات.
كم تغيرت صديقته! أصبحت بدينة، ثقيلة، قوية… أصبحت امرأة.
دخل سوبر ماركت، تذكر أن الثلاجة خاوية. لكنه لا يكف عن تأمل الوجه… شراهة الناس… السيدات جميلات، شرسات، لهن خبرة هائلة في اللحوم. يقلبن البضائع بأصابع مدربة!
والناس زحام… كأن الحرب معلنة، وهو لا يدري! كأنهم سيموتون غدًا!
خرج من المحل الفاخر المكيّف يتصبب عرقًا. لم يخطئ اتجاه البيت.
راح يصعد سلالم عتيقة، لكنها نظيفة. وكانت صاحبة البيت، الأربعينية، ترمقه من وراء الباب الموارب، ترتدي أفضل ثيابها، تسوّي شعرها، وتضع الروج على شفتيها بإتقان.
سمعت خشخشة في المطبخ.
آه… الفأر الملعون! يلعب على مهله هنا وهناك. لابد أن أضع له طعامًا جيدًا في مصيدة جديدة. ابتسمت للفكرة: سأضع له طُعمًا لذيذًا… لن يفلت مني مرة أخرى.
أرهفت السمع، فسمعت الرجل وهو يصل إلى غرفته فوق السطوح. لابد أنه سيجد الضوء الكافي أمام الباب، ويجد قصرية الزهور والترتيب الجميل في المدخل.
كان الهدوء النسبي يسود، فالناس مشغولون ببرامج التلفزيون. ربما تمطر السماء في الصيف! من يدري؟ وربما تهب موجة غبار!
فتحت الباب… وفي اللحظة نفسها ارتطم باب المصيدة بشدة، وخلفه الفأر المتمرد. ابتسمت… وقررت الصعود إلى أعلى.
