
بقلم بهجت العبيدي
يا له من لغزٍ مُحير تلك السعادة! تتأرجح بين مرآة الفلسفة العميقة وعمق الكيمياء الحيوية المعقدة، وكأنها فراشةٌ لا يمكن الإمساك بها بسهولة. لطالما كانت محط أنظار ألمع العقول على مر العصور. فها هو أرسطو، ذلك الفيلسوف اليوناني العظيم، يرى فيها الغاية الأسمى للحياة، وأنها تكمن في الفضيلة والعيش وفق العقل. بالنسبة له، السعادة ليست مجرد شعور عابر، بل هي حالةٌ مستدامة تُكتسب من خلال الحياة الصالحة والتفكير المنطقي.
وعلى النقيض، يبرز أبيقور، الفيلسوف اليوناني الآخر، الذي وضع السعادة في غياب الألم والاضطراب، وهو ما أسماه الأتاراكسيا (Ataraxia). لم يكن أبيقور يدعو إلى الانغماس في اللذات الحسية الجامحة، بل كان يؤمن بأن السعادة الحقيقية تكمن في الهدوء النفسي والسكينة الداخلية، والتحرر من المخاوف والقلق. فالفلاسفة، يا صديقي، حاولوا ترويض هذا الشعور المتفلت، إما بربطه بالكمال الأخلاقي كما فعل أرسطو، أو بالسكينة الذهنية كما ذهب أبيقور، أو حتى بالمنفعة واللذة كما رأى بعض فلاسفة المتعة. لكن تظل السعادة كبصمة الأصبع، فريدةٌ لكل نفس، متغيرةٌ بتغير الزمان والمكان، وكأنها لحنٌ يعزفه كل إنسان على آلته الخاصة.
تجارب قياس السعادة: ومقاييسها المتباينة
هنا يتدخل العلم الحديث بآلياته الدقيقة، مستعرضًا تجارب قام بها أخصائيون لقياس نسبة السعادة. حددت هذه التجارب مقياسا للسعادة يتراوح من واحد إلى عشرة، وطرحت سؤالًا جوهريًا يكاد يلامس الوجود: هل السعادة مجرد “شريط تمرير” بيولوجي تتحكم فيه الكيمياء الحيوية لأجسادنا؟ سؤالٌ يضعنا أمام مفترق طرق بين ما هو روحي وفلسفي وما هو مادي وعلمي.
يتجلى هذا التساؤل بوضوح في الأمثلة التي أوردها بعض المفكرين الكبار، كما في كتاب “العاقل: تاريخ مختصر للنوع البشري” للمؤرخ الإسرائيلي يوفال نوح هراري:
الفلاح القروي في العصور الوسطى: تخيل معي هذا الفلاح الذي يعيش حياةً بسيطة، بالكاد يمتلك قوت يومه. يعمل بجد وينهي بناء كوخه المتواضع، وهو إنجازٌ عظيمٌ في عالمه. تُشير هذه الدراسات إلى أن هذا الإنجاز البسيط، المتمثل في تأمين مأوى له ولأسرته، قد يدفعه إلى قمة السعادة بمقدار 10 على المقياس. سعادةٌ نابعة من تلبية احتياجات أساسية، ربما كانت في ذلك الزمان إنجازًا عظيمًا يمنحه شعورًا بالأمان والاكتفاء، وربما استمرت هذه السعادة لديه أطول مما قد نتخيل.
المصرفي الأمريكي في القرن الواحد والعشرين: في المقابل، تُظهر هذه الأمثلة المصرفي العصري، الذي قد يمتلك ثروات طائلة، ويعيش في رفاهية لا تخطر على بال الفلاح القديم. لكنه قد لا يصل إلى السعادة بمقدار 10 إلا بعد أن يدفع آخر قسط لـ “سقيفة” باهظة الثمن في أهم وأرقى أحياء الولايات المتحدة الأمريكية. قد تكون هذه السقيفة رمزًا للنجاح المادي والوضع الاجتماعي المرموق، لكنها تتطلب جهدًا وتكلفة هائلة لتحقيق ذات مستوى السعادة الذي حققه الفلاح القديم ببناء كوخ. والمثير للتأمل أن تلك السعادة التي يشعر بها المصرفي قد تتضاءل سريعًا مع مرور الوقت، بينما ربما ظلت عند ذلك القروي في القرون الوسطى أطول وأعمق.
ما الذي تقوله لنا هذه الأمثلة يا صديقي؟ إنها تشير إلى أن مستوى “السعادة القصوى” (الـ 10 على المقياس) قد لا يكون مرتبطًا بحجم الإنجاز أو قيمته المادية المطلقة، بل بالحد الأقصى الذي تسمح به كيمياء الجسد لكل فرد. وكأن هناك سقفًا بيولوجيًا مسبقًا لكل منا.
الكيمياء الحيوية: “سقف” السعادة الفطري
هنا يكمن دور الكيمياء الحيوية في تحديد “سقف” السعادة لدينا. تُشير الأبحاث الحديثة إلى أن لكل إنسان نطاقًا وراثيًا للسعادة تتحكم فيه هرمونات ومواد كيميائية عصبية معينة مثل السيروتونين (الذي يلعب دورًا رئيسيًا في تنظيم المزاج والنوم)، والدوبامين (المسؤول عن نظام المكافأة والشعور بالمتعة)، والأوكسيتوسين (الذي يُعرف بهرمون الحب والارتباط).
بعض الأشخاص، بغض النظر عن الظروف الخارجية المدهشة التي تحيط بهم، قد لا تتجاوز سعادتهم مستوى ٧ على المقياس، وكأن قدرهم البيولوجي لا يسمح لهم بتجاوز هذا الحد. بينما يستطيع آخرون الوصول إلى 10 حتى في ظروف تبدو لنا أقل إبهارًا بكثير. هذا هو التفسير الذي يزيل اندهاشنا حينما يقابلنا أناس تحسهم في حالة سعادة غامرة مهما كانت ظروف حياتهم قاسية، بينما نرى آخرين ربما يمتلكون أضعاف أضعاف السابقين من الثروة والمكانة، لكن السعادة لديهم تظل محدودة للغاية، بل قد يبدون مكتئبين رغم كل “مقومات” السعادة الظاهرة.
بالطبع، هذا لا يعني أن هذا ينطبق على كل الفقراء أو كل الأثرياء. فلم نقصد هذا مطلقًا. فقط إننا نُدلل على أن الكيمياء الحيوية هي التي تحدد الحالة، فربما يملك فقير كيمياء حيوية تحد من سعادته، وربما يملك ثريٌّ كيمياء حيوية تدفعه لأقل سبب للسعادة الغامرة. هذا يعني أن السعادة ليست فقط نتيجة للأحداث الخارجية، بل هي أيضًا نتاج “ضبط” داخلي يحدد أقصى ما يمكن أن نشعر به من بهجة ورضا.
فهل الكيمياء الحيوية هي التي تضع “الخط الأحمر” أو “السقف الزجاجي” لمقدار السعادة التي يمكن أن نبلغها؟ يبدو أن الدراسات الحديثة تؤكد هذا التفسير. فبغض النظر عن الإنجاز، سواء كان بناء كوخ متواضع أو شراء قصر فخم، فإن أقصى مستوى من المتعة والرضا الذي يشعر به الفرد قد يكون محددًا مسبقًا بتركيبته البيولوجية الفردية.
