
بقلم: حسني حنّا
“تعتبر الحمامات العامّة أو الشعبية من أشهر معالم المدن العربية، بعد معابدها ومدارسها”.
وردت كلمة (حمّام) في المعاجم العربية من (الحَمّة)، وهي العين الحارّة أو الحميم (هو الماء الحار). وقد وجدت الحمامات بشكل مختلف في بلدان الشرق والمغرب، وفي مدينة أوغاريت حتى مدينة اللاذقية وجدت حمامات، وأحواض وقنوات للمياه تعود إلى القرن (12ق.م).
والحمّام مظهر من مظاهر الحضارة، ومعلم بارز من معالم المدن العربية، وتعد بعض اليوم أشبه بالأساطير لعبارته وجمال نقوشه وزخارفه. وتؤكد كتب التاريخ عن الحمامات في الشرق حيث لعبت الحمامات دوراً اجتماعياً وطبيّاً في حياة الناس، وقد ذكرت المصادر التاريخية أنه كان بمدينة دمشق (140) حماماً في أواخر القرن (11) للميلاد، في حين بلغ عددها في نفس الفترة (90) حماماً في مدينة حلب.
الدور الاجتماعي للحمام
كانت المرأة تأتي إلى الحمام ليلة الزفاف وختان الأطفال إضافة لهذه النظافة. وكان الحمام متعة ونزهة ومسرة وتقاليد وغيرها.
كما كان منتدى للسمر وتبادل الأحاديث والتفاهم والتعارف، كما كان مجلساً للصلح بين المتخاصمين، وفرصة طيبة لعقود البيع والشراء بين التجارة من المستحمين . وكانت (الخاطبة) تحضر الى الحّمام لانتقاء العروس. كما كان لدخول الحّمام آداب خاصة الى الحّمام منها التزام النظافة والنظام والسلامة.
الدور الطبي للحمّام:
كانت للحمّام مهمة علاجية، وخاصة لمن يشكو من أمراض المفاصل، والروماتيزم وغيرها من الأمراض، التي يمكن أن تُشفى بالبخار والتدليك.
المياه في الحمّام:
الحمّام مدينة المياه.. ونظام هذه الحّمامات أن الماء يدخل إليها، ويُسخَّن قسم منه في طرف الحمّام،ليجري بعد ذلك ساحناً الى أقسام الحمّام ، وينفذ من فوهات، كانت فيما مضى تغلق بإصبع من خشب ، فيسيل فوق الاجران، وكانت الى جانبه أحياناً مجاري الماء البارد، وأحياناً يؤتى بالماء البارد بالسطول، من بركة الماء الموجودة في البّراني من أجل موجه بالماء الساخن.
أقسام الحمّام:
ينقسم الحمّام من حيث البناء والاستعمال إلى ثلاثة أقسام هي:
1- البّراني: وفيه بركة ماء للجلوس، وأماكن مرتفعة على أطرافه، وخزائن للمناشف ، وهناك حبال تنشر عليها المناشف المبللة لتجف، ويجلس (المعلم) صاحب الحمّام على طرف منه، أمام صندوق فيه الليف والصابون وأكياس التفريك وسائر العدّة..
وفي البّراني حيث المصاطب والأرائك، يدخل الزائر، فيختار ركناً لخلع ملابسه، وتسليم ما معه من دراهم ونفائس إلى صاحب الحمّام، ثم يضع على وسطه منشفة تستره الى ما تحت الركبة، وفي هذا الركن يرتدي المستحم ثيابه بعد الاستحمام.
2- الوسطاني:وهو مخصّص للاستراحة، وهو أكثر حرارة من البرّاني، وذلك من أجل التأقلم مع جوّ الجواني الحار.
3- الجواني: توجد فيه أجران في ساحة، يجلس المستحمّ على كرسي من الخشب، ويُعطى طاسة وصابون وكيس وليفة.
ويقصد الناس حمّام السوق كباراً وصغاراً، وهو بالنسبة إاليهم نظافة ومسرّة وتقاليد وأشياء أخرى… وكثيراً ما كان يتفق الأصدقاء والأحباب على أن يذهبوا سوية إلى الحمّام، وهذا يعني أنهم ذاهبون للتسلية.. وكان بعض الميسورين يستأجرون الحمّام خالصاً لهم، وحدهم من بابه، فتكون سهرة ولعب واستحمام تدوم حتى الصباح.
قبّة الحمّام:
من المعروف أن الحمّام يُبنى عادة وله قبّة أو أكثر، وفي هذه القبّة فوهات كثيرة للإضاءة، يوضع عليها زجاج يدخل منه النور، ويُسمّى هذا الزجاج (قَماري)، جمع قمرية، وهي الفوهة، وبسبب هذا التكوين فإن الصوت الذي يتردّد في جنبات الحمّام يتضخّم، ويصبح له رنين وصدى.
الحمّامات في التراث العربي
اشتهرت المدن العربية عبر العصور بحمّاماتها، وقد صنّف بعض المؤلفين فيها كتباً هامة، ومنهم (منير كيال) الذي صنف كتاباً خاصاً بحمّامات دمشق، صدر في دمشق عام (1986م) بـ (350) صفحة
كما خص (نجاة قصاب حسن) الحمامات ببحث خاص في كتابه (خديث دمشقي).
ويعتبر كثير من الدارسين أن من بين الحمّامات ما يتمتّع بمميزات فنية وعمرانية هامة جداً.
وقد نظّم بعض الشعراء قصائد ,ابياتاً في الحّمامات ، وماكان يدور فيها من أحاديث ومسامرات وطرائف. وقد أضاف شعراء العرب بوصفهم للحّمامات ، ثروة من الأوصاف الجميلة.
أشهر حمامات اللاذقية
مثل المدن السورية الهامة، اشتهرت اللاذقية بحّماماتها العامة التي ادثر معظمها ، ولازال بعضها قائماً يزاول نشاطه بصعوبة بالغة ، وهذه الحّمامات كانت مخصصة للنساء قبل الظهر ـ وللرجال بعد الظهر وفي المساء وهي:
حمام العنّابة:
كان في حي (العناّبة) أحد احياء اللاذقية القديمة ، وقد سمي الحي والحّمام والشارع الذي يمر في هذا الحي بهذا الاسم نسبة إلى شجرة عناب ، كانت موجودة فيه ، أو سمي بهذا الاسم نسبة لبائعي العنب (العنابّة) الذين كانوا يتجمعون في سوق هذا الحي.
وكان هذا الحّمام قد شيد في سنة(1749م)، وكان أكبر حّمامات البلدة، ويشمل على أربع غرف فسيحة، في كل غرفة ثلاثة أجران وخلوة ردجواني ووسطاني، ومشلح براني واسع، ومصاطب حجرية ومقصورة مزحرفة، وبركة بديعة عليها نافورة ذات تصميم فريد..
والحمام كان مسقوفاً بقبة مطرزة بقمريات (مضاوي) من قيعان الزجاجات الملونة، لتوفير الضوء داخل الحّمام، الذي يؤدي عمله حتى سنة(1971م)، عندما هدم في غفلة ، وتم التخلص منه لمصلحة تجار البناء، الى أن استكمل هدمه في اوائل سنة (1985م).
حّمام المعوافي:
كان ما يزال قائماً بجوار زاوية الفتاحي المعروفة، وكانت له شهرة واسعة إذ أنه كان من أشهر حمامات اللاذقية في ذلك الوقت، وهو يحتوي على عدة أقبية جميلة، ذات عقود هندسية، وبه عدة خلوات ولى أبار واحواض وناعورة، وقد اندثر هذا الحمام، قبل إحصاء سنة (1896) فلم يعد من جملة حمامات البلدة التي وقع الاحصاء عليها.
وأمام هذا الحّمام تقع (ساحة السارنجة) التي تقام فيها الأعياد
وكانت الأشجار والمزارع والبساتين تحيط بتلك الأمكنة، فهي مكان للنزهة والسكن معاً..
ومع مرور الأيام تلاشت شهرة هذا الحّمام، بسبب ما أُشيع عن إختطاف فتاة جميلة منه ،كانت ستزف الى عريسها في ليلتها تلك، مما صرف الناس عنه، واضطر أصحابه الى تركه، وراحوا يشتغلون بصيد السمك.
وبمرور الوقت تقّوضت بعض أقبيته، ممها عجّل في ردم آبارة ، وكسرأحواضه، ومن ثم أصبح مكاناً لرمي الحجارة والأتربة، حتى أصبحت فوقه على ارتفاع أربعة أو خمسة أمتار.
وبالأمس القريب، وبعد مضي مائتي سنة تقريباً على تلك الحادثة، وبينما كانت بلدية اللاذقية تشق طريقاً في تلك الناحية ،عام (1975م)، عثر على قبو كبير بعقود ، مما يرجّح أنه من بعض أقبية ذلك الحّمام، وتحت تلّة صغيرة من التراب، كان يقوم عليها منزل، عثر على أقبية أخرى، تصله بذلك القبو، بالاضافة الى خلوات حسنة البناء، مع بعض الأحواض، كما عثر على بئر بحالة جيدة، وعلى مئات القطع الفخارية والأباريق، وبلاطة رخامية.
حّمام القبة
يقع في شارع اليرموك، الى الشرق من مبنى الكليّة الوطنية ، ويقال له أيضاً (الحّمام الصغير)، وربما كان هذا الحّمام من أقدم حّمامات اللاذقية ، إذ يرقى الى العهد المملوكي بهندسته الشاخصه الى اليوم، وقد جاء وصفه في وثيقة تاريخية تعود الى سنة (1795) كما يلي:
“الحمام الصغير الكائن في محلة الصليبة ، يشتمل مشلح براني، أي قبو كبير، فيه بركة لجمع الماء البارد، ويدخل منه الى مشلح أخر جواني معد لايام الشتاء الباردة ، وبالقرب منه خلوة، داخلها بركة لجمع الماء الحار، والحمام مقبي بالكلس والأحجار، ويشتمل على ثلاثة جرون، وخزان لجمع الماء الحّارومصنع لجمع الماء البارد ، وتوابعه القميم – أي المزبل الجاف الذي يستخدم… وقدرًا لتسخين الماء، وبيت مقبي بالكلس والأحجار،لأجل جمع الوقود فيه، وبئر ماء وناعورة، وقناطر تجري عليها المياه من الناعورة إلى الحّمام.
وتتخلل قبة هذا الحّمام مضاوي، أي فتحات صغيرة مستديرة لادخال النور، مسدودة بقيعان زجاجية ملّونة.
وقد هدمت بلدية اللاذقية قسمًا كبيرًا من الحّمام في أثناء شق الشارع الذي يمر جنوبي الحّمام، والذي يعرف حاليًا باسم شارع اليرموك، والذي تقع بقايا الحّمام عليه، المتمثلة بقبته المطرزة بالمضاوي، ومصاطبه الحجرية، وخلوته.
حمّام القيشاني
كانت بعض الحمامات العامة مزينة بالقيشاني، والقيشاني عبارة عن رسوم جميلة ملونة، ذات أشكال هندسية بديعة، على فخار مزجج يرصف على جدران البناء، أو على قسم منها.. وقد سمي بهذا الاسم، لأنه كان مزيناً بمثل هذه الرسوم.
يقع حمام القيشاني – أو حمام الساحل – إلى الجنوب من البناء الأثري المعروف باسم (مسجد القبّة)، والذي هو عبارة عن مصلى يعود بناؤه إلى عهد حكم الفرنج للساحل السوري في القرن الثاني عشر الميلادي، وإلى الجنوب أيضًا من هذا الحّمام يقع القوس الروماني الشهير في مدينة اللاذقية.
وقد جاء وصف هذا الحّمام في وثيقة تاريخية تعود إلى سنة (1795م) على الشكل التالي:
(الحّمام القيشاني) الكائن في حارة العشر، إحدى محلات اللاذقية، ويشتمل كامله على مشلح برّاني فيه بركة ، معدة لجمع الماء البارد، وفي الداخل مشلح ثان في أيام الشتاء، ويسمّى وسطاني، ومنظره بين البراني والوسطاني، وخلوة في الوسطاني فيها جرن رخام، وداخل الوسطاني بيت الحرارة، وجملة الجرون من حيث هي سبعة ، وفي الغارفة الثانية مغطس ثان، ويشمل الحّمام على بركة لجمع الماء الساخن، وهو مسقوف بالكلس والحجر، ويشتمل أيضاً على بئر ماء وناعورة.
هدم قسم من هذا الحمام عندما شقت البلدية الشوارع الحديثة وتم هدم الباقي عام (1977م).
حّمام الحاج قاسم:
وهو من الحمامات المندثرة في مدينة اللاذقية، كان موقعه في موضع مقهى خديجة ، قرب حديقة أي تمام ، بناه السيد قاسم الزعيم في حي الأشرفية، وكان حمام الحاج قاسم من الحمامات التي ترتادها النساء عاد’
الحمام الجديد:
أخذ هذا الحّمام تسمية (الجديد) تمييزاً له عن الحمامات الأخرى القديمة.
بناه الوزير سليمان باشا العظم عام (1726م)، وهو ما زال قائماً إلى الغرب من من حديقة أي تمام.. وقد جاء وصفه في وثيقة تعود الى نفس العام . وقد جاء فيها أنه كان يشتمل على ثلاثة حياض ، أجران رخام، احدهما خلوة لطيفة صغيرة، وعلى خزانه لجمع الماء الحار فيها، وعلى ماعون نحاس مركب على بيت النار، وعلى مشلح لطيف. فيه بركة من الرخام ، وجب ماء معيت، وبركة لجمع الماء فيها، وغرفة مغدة لطبخ القهوة.
وكان يتبع هذا الحّمام بستان فيه أشجار الليمون وغيرها من أنواع الأشجار، وقد أزيل قسم من هذا الحّمام عند شّق شارع الغافقي.
حّمام العشر:
ويقال له حّمام البازار، ونعني به ما يسمّى اليوم (حّمام الهناء)، وقد شيدته السيدة حليمة أخت أرسلان باشا المطرجي، الذي كان يحكم طرابلس واللاذقية في اواخر القرن السابع عشر، وقد بني هذا الحمام في عام (1689) وكان يشتمل على أربعة حياض تعرف بالأجران يصب فيها الماء الحار من الأنابيب.
وقد زار هذا الحّمام سنة (1737م) الرحالة المصري أحمد الأدهمي، أثناء مروره باللاذقية في طريقه إلى حلب، فوصفه بأشنع الأوصاف. وتطرق إلى ما قاله عدد من الشعراء في الحامامات مدحاً وقدحاً…
وقد هُدم قسم كبير من هذا الحّمام سنة (1967)، وبقي قسم آخر منه، وهو لا يزال يؤدي عمله إلى الآن، وموقعه غرب جامع البازار.
وإذا كان الأدهمي قد هجا هذا الحمام، فإن أبا النور الكيالي عندما زار اللاذقية عام ((1815) دخل أحد حماماتها ومدحها بقوله:
“فذهبنا فدخلناه، فوجدناه حماماً لطيفاً مفروشاً فرشاً نظيفاً، صغيراً في الحجم، إلا أنه مستوفٍ الشروط والرسم، ثم أحضرت المناشف المعطرة الطيبة، والقهوة والشراب المروّح بعد الورود العجيب…”
…………
لقد هدم معظم تلك الحمامات أو هدمت، وماتبقى منها تم وضعه تحت قوانيني الحماية، وقد عادت الحمامات من جديد لتعيش في ذاكرة الناس من خلال بعض المسلسلات التلفزيونية وغيرها، وكثيراً ما يخلد الفن الأشياء الجميلة.








