
قد يمر الإنسان بالعديد من المواقف الإيجابية خلال يومه، لكنه يجد نفسه عالقًا في تذكر موقف سلبي واحد وإعادة التفكير فيه مرارًا، بحثًا عن تفسير أو حل أو محاولة للتخلص من المشاعر المرتبطة به.
ويُعرف هذا النمط باسم الاجترار الفكري أو التفكير السلبي المتكرر، وهو لا يمثل مجرد عادة ذهنية عابرة، بل يرتبط بتغيرات في طريقة عمل الدماغ وقد يؤثر في المزاج والقدرات الذهنية، وفقًا لنتائج دراسات في علم الأعصاب وعلم النفس.
ماذا يحدث للدماغ عند تكرار الأفكار السلبية؟
يرتبط الاجترار الفكري بنشاط ما يُعرف بـشبكة الوضع الافتراضي في الدماغ، وهي مجموعة من المناطق الدماغية التي تنشط عندما يكون الإنسان شارد الذهن أو منشغلًا بالتفكير في نفسه وحياته وذكرياته ومشكلاته الشخصية.
وفي الظروف الطبيعية، يمكن لهذا النشاط أن يساعد على مراجعة التجارب السابقة والتفكير في المشكلات واتخاذ القرارات. لكن عندما يتحول التفكير إلى دائرة متكررة من الحزن والقلق واللوم، يصبح من الصعب الانتقال إلى أفكار جديدة أو البحث عن حلول عملية.
لماذا يستمر التفكير السلبي؟
تشير أبحاث عصبية إلى وجود ارتباط بين الاجترار الفكري ونشاط منطقة تعرف باسم القشرة الجبهية الأمامية تحت الجينية، وهي منطقة ترتبط بمعالجة المشاعر والتفكير في الذات.
وقد يكون نشاط هذه المنطقة مفيدًا عند محاولة فهم مشكلة أو إيجاد حل لها، لكن في حالات المزاج السلبي والاكتئاب يمكن أن يرتبط بنمط من التفكير الذاتي المتكرر، ما يجعل الشخص عالقًا في الأفكار والمشاعر السلبية نفسها.
وبذلك يتحول التفكير من وسيلة للوصول إلى حل إلى حلقة مفرغة تستنزف الطاقة الذهنية دون الوصول إلى نتيجة واضحة.
التفكير السلبي قد يؤثر على الذاكرة
لا يقتصر تأثير الاجترار الفكري على الحالة المزاجية، إذ تشير دراسات إلى إمكانية ارتباط المزاج السلبي المتكرر بتراجع بعض جوانب الأداء المعرفي، ومنها الذاكرة.
وأظهرت إحدى الدراسات انخفاضًا في أداء الذاكرة لدى الأشخاص الذين كانوا يمرون بحالة مزاجية سلبية مقارنة بغيرهم.
ويرتبط ذلك، بحسب الباحثين، بصعوبة تحويل الانتباه بعيدًا عن الأفكار السلبية؛ إذ تستحوذ هذه الأفكار على جزء من موارد الذاكرة العاملة، ما يترك مساحة أقل لمعالجة المعلومات والقيام بالمهام اليومية بكفاءة.
لماذا يصعب التخلص من الأفكار السلبية؟
يمكن تشبيه الاجترار الفكري بالجري على جهاز رياضي دون الوصول إلى أي مكان؛ فالجهد الذهني مستمر، لكن الشخص يعود في النهاية إلى الفكرة نفسها.
ومع تكرار التفكير في السيناريو ذاته، يصبح من الصعب رؤية الموقف من زاوية مختلفة أو الانتقال إلى أفكار جديدة، خصوصًا عندما تكون المشاعر المصاحبة للفكرة قوية.
ولهذا فإن مجرد محاولة إجبار النفس على “التوقف عن التفكير” قد لا تكون كافية، بينما يمكن أن يكون تحويل الانتباه إلى نشاط مختلف أكثر فائدة.
طرق تساعد على كسر دائرة التفكير السلبي
1. ممارسة اليقظة الذهنية
يمكن لتمارين التنفس والتأمل أن تساعد على إعادة توجيه الانتباه إلى اللحظة الحالية بدل الاستمرار في استعادة الأحداث والمخاوف الماضية.
ولا يشترط أن تكون جلسات التأمل طويلة؛ إذ يمكن البدء ببضع دقائق يوميًا مع التركيز على التنفس والأحاسيس الحالية.
2. ممارسة النشاط البدني
يساعد النشاط البدني على تغيير حالة الجسم والانتباه بعيدًا عن الأفكار المتكررة. ويمكن اختيار المشي أو أي نشاط حركي مناسب، خاصة الأنشطة التي تتطلب التركيز على الحركة والتوازن.
3. استحضار الأحداث الإيجابية
عندما يسيطر التفكير السلبي، قد يكون من المفيد تعمد تذكر مواقف وتجارب إيجابية بدل ترك الذهن يركز على الأحداث المزعجة فقط.
ويمكن الاحتفاظ بقائمة قصيرة من الأشياء الجيدة التي حدثت خلال اليوم والعودة إليها عند الشعور بتزايد الأفكار السلبية.
4. تغيير البيئة والنشاط
الاستمرار في المكان نفسه وممارسة النشاط نفسه قد يجعل الشخص أكثر عرضة للاستغراق في أفكاره. لذلك يمكن تجربة الخروج للمشي أو التحدث مع شخص مقرب أو الانشغال بهواية أو مهمة تتطلب التركيز.
5. التمييز بين التفكير المفيد والاجترار
ليس كل تفكير في مشكلة أمرًا سلبيًا. فالفرق الأساسي أن التفكير المفيد يقود غالبًا إلى قرار أو خطوة عملية، بينما يعيد الاجترار الفكرة نفسها دون الوصول إلى نتيجة.
لذلك يمكن سؤال النفس: هل أحاول إيجاد حل، أم أنني أعيد التفكير في المشكلة نفسها دون تقدم؟
الخلاصة
التفكير السلبي المتكرر قد يحول موقفًا عابرًا إلى دائرة مستمرة من القلق والحزن واستنزاف الطاقة الذهنية. وفهم طبيعة الاجترار الفكري يمثل الخطوة الأولى للتعامل معه.
وقد يساعد الجمع بين اليقظة الذهنية والنشاط البدني وتغيير الانتباه والتركيز على الجوانب الإيجابية في كسر هذه الحلقة، خصوصًا عندما يصبح التفكير السلبي عادة متكررة تؤثر على الحياة اليومية.







