
بقلم: بهجت العبيدي
حين يُطرح سؤال الإسلام في زمن تتشابك فيه الأزمات، وتختلط فيه النصوص بالموروثات، وتتنازع الخطابات الدينية اتجاهات متباينة، يصبح من الضروري أن نعود إلى السؤال الأول: ما الذي أراده القرآن للإنسان؟
هذه النقطة تحديدًا تبدو مركزية في المشروع الفكري للأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي؛ فهو لا يتعامل مع الإسلام بوصفه مجموعة من الشعائر المنفصلة عن حياة الإنسان، ولا باعتباره منظومة من الأحكام المجردة التي تُستدعى لإدارة الخلاف، وإنما يقرأه باعتباره مشروعا إلهيًا غايته الأساسية بناء الإنسان الآمن، والمجتمع العادل، والحياة التي تقوم على الرحمة والسلام.
وهنا تكمن أهمية طرحه؛ لأنه يبدأ من الغاية قبل الوسيلة، ومن المقصد قبل التفصيل، ومن الإنسان باعتباره محل التكليف وغاية الإصلاح.
من الإسلام الموروث إلى الإسلام القرآني
أحد أهم الأسئلة التي يثيرها الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي هو: هل كل ما نُسب إلى الإسلام يمثل الإسلام بالضرورة؟
السؤال يبدو بسيطا، لكنه يحمل نتيجة منهجية عميقة. فهناك فرق بين القرآن بوصفه مصدرًا إلهيًا، وبين ما راكمه التاريخ من روايات واجتهادات وتأويلات وممارسات بشرية. وإذا لم نفرق بين المصدر الإلهي والاجتهاد البشري، يصبح من السهل أن ننسب إلى الدين ما ليس منه، ثم ندافع عن ذلك المنسوب باعتباره حقيقة دينية مطلقة.
ومن هنا تأتي قيمة العودة إلى القرآن باعتباره الميزان الذي تُقاس به الأفكار والممارسات، لا مجرد نص يُستشهد به بعد اكتمال الرؤية المسبقة.
وهذا المنهج، في تقديري، ليس مجرد تجديد في الخطاب الديني، بل هو محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين النص والعقل؛ بحيث لا يصبح الإنسان أسيرًا لما ورثه، وإنما يصبح قادرًا على فحص الموروث في ضوء المبادئ القرآنية الكلية.
الرحمة ليست تفصيلا أخلاقيا
عندما تُقرأ الرسالة المحمدية من خلال مفهوم الرحمة، تتغير زاوية النظر إلى الإسلام كله.
فالرحمة لا يمكن أن تكون قيمة هامشية في دين يُقدّم نفسه باعتباره هداية للإنسان. وإذا كانت الرسالة قد جاءت لإخراج الإنسان من الظلم إلى العدل، ومن الخوف إلى الأمن، ومن الصراع إلى السلام، فإن الرحمة تصبح إطارا ناظما لهذه المقاصد جميعًا.
وهنا يلتقي التحليل الفكري للأستاذ الشرفاء مع منطق بسيط لكنه حاسم: إذا أدى تفسيرٌ ما إلى إنتاج الكراهية والظلم وإهدار الكرامة الإنسانية، فمن المشروع أن نعيد فحص ذلك التفسير؛ لأن النتائج ليست منفصلة تمامًا عن المقدمات التي أنتجتها.
ولا يعني ذلك إخضاع النص القرآني لمعايير بشرية متغيرة، بل يعني العكس تمامًا: العودة إلى المبادئ القرآنية الكبرى التي تجعل العدل والرحمة والحرية والمسؤولية الإنسانية أساسًا في التعامل مع الآخر.
حرية الاعتقاد تنفي منطق الإكراه
ومن أكثر الجوانب أهمية في هذه الرؤية تأكيدها أن الإيمان الحقيقي لا يُبنى بالقسر.
فالاعتقاد الذي يُفرض بالقوة يفقد جوهره؛ لأن الإيمان فعل وعي واختيار، وليس مجرد استجابة للخوف. ولذلك فإن حضور حرية الاعتقاد في الرؤية القرآنية يضع حدودًا واضحة أمام محاولات تحويل الدين إلى سلطة على الضمائر.
وهذه النقطة لا تتعلق بالمسلمين وحدهم، وإنما تمس طبيعة المجتمع الإنساني كله. فحين يُحترم حق الإنسان في الاعتقاد والاختيار، يصبح الاختلاف ممكنًا من دون أن يتحول إلى خصومة وجودية.
ومن هنا يمكن فهم الإسلام، في طرح الأستاذ الشرفاء، باعتباره مشروعًا لبناء مجتمع يستطيع أفراده أن يختلفوا دون أن يقتتلوا، وأن يتعددوا دون أن يتحول التنوع إلى سبب للكراهية.
المشكلة ليست في الدين، بل في طريقة قراءته
ربما تكون إحدى أهم نقاط القوة في هذا الطرح أنه لا يكتفي بتوجيه النقد إلى بعض الممارسات، بل يذهب إلى السؤال الأعمق: كيف تشكلت هذه الممارسات أصلًا؟
فالمشكلة تبدأ عندما يتحول الموروث إلى سلطة معرفية لا تُناقش، وعندما يصبح الاعتياد دليلا على الصحة، وكثرة التكرار برهانًا على الحقيقة.
وهنا يصبح العقل النقدي ضرورة لا ترفا.
فلا يكفي أن نسأل: ماذا قال السابقون؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ما الدليل؟ وما مدى اتساق القول مع القرآن؟ وما أثره في الإنسان والمجتمع؟ وهل يقود إلى العدل والرحمة، أم إلى التعصب والصراع؟
إنها أسئلة تبدو أقرب إلى المنهج العلمي في التفكير منها إلى الجدل التقليدي، وهذا تحديدًا ما يمنح المشروع الفكري للأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي قدرا من الأهمية في النقاش المعاصر حول تجديد الخطاب الديني.
التشريع وسيلة لصلاح الحياة لا لتعقيدها
ومن الزوايا اللافتة في هذه الرؤية أن التشريع لا يُفهم باعتباره غاية مستقلة عن حياة الإنسان.
فإذا كان الحكم الشرعي يستهدف تنظيم حياة الناس وحفظ حقوقهم وتحقيق العدل بينهم، فإن قيمته تظهر في أثره الواقعي، لا في كثرة التفاصيل التي تحيط به.
والقرآن، في هذا التصور، لا يقدم للإنسان منظومة تستهدف إرهاقه، وإنما منهجًا يساعده على بناء حياة أكثر أمنًا واستقرارًا وعدلًا.
وهنا تظهر قاعدة مهمة: كلما ابتعد الخطاب الديني عن مقاصد القرآن الكبرى، أصبح أكثر قابلية للتحول إلى عبء على الإنسان بدل أن يكون سبيلًا إلى إصلاح حياته.
وهذه الفكرة تجعل التيسير مفهومًا عميقًا لا مجرد رخصة عابرة؛ لأن الدين، في جوهره، ينبغي أن يساعد الإنسان على مواجهة تعقيدات الحياة، لا أن يضيف إليها تعقيدات مصطنعة.
لماذا يبدو هذا الطرح مهمًا اليوم؟
أهمية طرح الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي لا تكمن فقط في أنه يقدم تفسيرا مختلفا لبعض القضايا، وإنما في أنه يحاول نقل النقاش من سؤال: “من قال؟” إلى سؤال: “ما الدليل؟”، ومن سؤال “ماذا ورثنا؟” إلى سؤال “ماذا يقول القرآن؟”.
وهذا التحول بالغ الأهمية.
فالمجتمعات لا تتقدم بمجرد تغيير الشعارات، وإنما عندما تعيد النظر في طريقة إنتاج المعرفة نفسها. وإذا كان جزء من أزمة الخطاب الديني المعاصر ناتجًا عن الخلط بين المقدس والبشري، فإن تحرير المسافة بينهما يمكن أن يفتح المجال أمام قراءة أكثر عقلانية واتزانًا للنص.
ومن هنا يمكن النظر إلى مشروع الشرفاء بوصفه محاولة لإعادة الإسلام إلى وظيفته الحضارية: صناعة الإنسان، وحماية المجتمع، وإقامة العدل، ونشر السلام.
الإسلام حين يعود إلى غايته الإنسانية
في النهاية، فإن الصورة التي يرسمها الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي للإسلام تقوم على فكرة مركزية شديدة الوضوح: الدين الذي جاء من أجل الإنسان لا يمكن أن يكون مشروعًا لإهانة الإنسان أو تخويفه أو إقصائه.
الإسلام، في هذه الرؤية، ليس ساحة مفتوحة للصراع بين البشر، بل مشروع للانتقال بهم من الصراع إلى السلام، ومن الظلم إلى العدل، ومن التعصب إلى التعارف، ومن الخوف إلى الأمن.
ولعل قوة هذا الطرح تكمن في أنه يعيد ترتيب الأسئلة قبل تقديم الإجابات. فهو لا يبدأ من الموروث ليبحث له عن تبرير قرآني، وإنما يبدأ من القرآن ليختبر به الموروث.
وهذه، في تقديري، هي النقطة التي تستحق التوقف طويلًا عندها.
فالتجديد الحقيقي لا يعني أن نأتي بدين جديد، وإنما أن نمتلك الشجاعة الكافية لقراءة النص المؤسس بعقل حاضر، وأن نفرق بين الوحي وبين ما صنعه الإنسان حول الوحي، وأن ندرك أن الرحمة ليست مجرد قيمة جميلة نتغنى بها، بل معيار يمكن أن نختبر به سلامة فهمنا للدين.
وفي زمن تزداد فيه الحاجة إلى السلام أكثر من أي وقت مضى، يصبح السؤال أكثر إلحاحا: هل نستطيع أن نقدم الإسلام للعالم من خلال جوهره القرآني، بوصفه مشروعًا للرحمة والعدل والأمن والسعادة الإنسانية؟
يقدم الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي إجابة واضحة: نعم، إذا تحررنا من أسر الموروث، وأعدنا القرآن إلى مركز الرؤية، وجعلنا الإنسان وكرامته وسلامه مقصدا حاضرا في فهمنا للدين.
وهنا تحديدًا تتحول “الرؤية القرآنية للإسلام” من مجرد قراءة فكرية إلى مشروع لإعادة بناء الوعي؛ وهو ما يجعلها جديرة بالنقاش، لا باعتبارها خاتمة للأسئلة، وإنما باعتبارها دعوة إلى طرح الأسئلة الصحيحة من جديد.








