
بقلم: هويدا دويدار
تعد المنطقة اليوم مسرحاً لواحدة من أعقد المواجهات الجيوسياسية، ولا يقتصر أثرها على الجانب العسكري، بل يمتد ليشكل ضغطاً هيكلياً على اقتصاديات الدول والممرات المائية الحيوية. مما يشكل أثركبير على الحانب الاقتصادي لهذه المواجهات وفقاً للمعطيات الراهنة في عام 2026:
تهديد الممرات المائية وسلاسل التوريد
تعتبر المضايق المائية (هرمز، باب المندب، وقناة السويس) نقاط ارتكاز في هذه المواجهة.
فمضيق هرمزمع تصاعد التوترات، شهدت الأسواق العالمية اضطرابات حادةحيث يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز المسال عالمياً. أي تهديد لهذا الممر يرفع أسعار النفط فوراً مما يسبب تضخماً عالمياً وتكاليف طاقة باهظة للدول المستوردة.
اماالبحر الأحمر وباب المندب فقد أدت الهجمات والعمليات العسكرية إلى انخفاض حركة الشحن في قناة السويس بنحو 60% مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة. هذا أجبر السفن على الدوران حول طريق رأس الرجاء الصالح، مما أضاف 10-14 يوماً للرحلة وزاد تكاليف الشحن والوقود بملايين الدولارات لكل رحلة.
استنزاف الميزانيات دفعت هذه المواجهات دول المنطقة إلى إعادة ترتيب أولوياتها الماليةوورفع ميزانيات الدفاع ممااضطرت العديد من الدول إلى رفع إنفاقها العسكري ليتجاوز 2% إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي لتأمين حدودها ومنشآتها الحيوية.
و تراجع الاستثمارات التنموية توجيه الأموال نحو التسلح والأمن يأتي غالباً على حساب مشاريع البنية التحتية، التعليم والابتكارمما يبطئ من وتيرة “التنوع الاقتصادي” التي تطمح لها دول مثل السعودية والإمارات.
ايضاً التضخم وانعدام الأمن الغذائي
فدول المنطقة تعتمد بشكل كبير على الواردات الغذائية. والمواجهات في البحار أدت إلى قفزات في أسعار السلع نتيجة لارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري بالإضافة إلى أزمات إمداد محليةفي بعض المناطق أدى تعطيل الموانئ وإلى نقص في السلع الأساسية، مما زاد من معاناة الفئات الضعيفة اقتصادياً خاصة في الدول التي تعاني أصلاً من أزمات عملة مثل مصر ولبنان.
هروب رؤوس الأموال وتراجع السياحة وذلك لأن الإقتصاد يكره عدم اليقين وبالتالى المواجهات المستمرة تخلق بيئة طاردة الاستثمار الأجنبي المباشر يميل المستثمرون إلى سحب أموالهم من الأسواق الناشئة المتأثرة بالصراعات والبحث عن “ملاذات آمنة”.
أما قطاع السياحةتأثرت دول مثل مصر، الأردن ولبنان بشكل مباشرحيث يؤدي أي تصعيد عسكري إلى إلغاء حجوزات واسعة وتراجع دخل العملة الصعبة.
اقتصاديات “محور المقاومة” تحت المجهر
بالنسبة للدول المنضوية في المحور (مثل إيران، سوريا، واليمن)، فإن الأثر مزدوج العقوبات الاقتصاديةالخانقة الذى تستخدمه الولايات المتحدة الاقتصاد كأداة ضغط رئيسية، مما أدى إلى انكماش في الإنتاج النفطي الإيراني وصعوبات في التبادل التجاري الرسمي.
لذلك لجأت هذه الدول إلى بناء شبكات مالية وتجارية غير رسمية بما يسمى الاقتصاد الموازى (الالتفاف على العقوبات) للحفاظ على صمودها، وهو ما يجعله اقتصاداً “مضاداً للصدمات” لكنه يفتقر للنمو المستدام.
باختصار: المنطقة تعيش حالة “نزيف اقتصادي” صامت؛ فبينما يمتلك المحور قدرة على التعايش مع الأزمات، تظل تكلفة المواجهة باهظة على مستويات المعيشة وفرص النمو المستقبلي للجميع.
