
بقلم: شحاته زكريا
قبل أكثر من قرن جلس رجلان في غرفة مغلقة ورسموا بخطوط حمراء وزرقاء مصير أمة بأكملها. سايكس البريطاني وبيكو الفرنسي لم يكونا مجرد دبلوماسيين بل كانا صانعي جرح غائر لم يندمل بعد جرح اسمه سايكس–بيكو . قسموا الأرض كأنها قطعة قماش ومزقوا الروابط كأنها لا تعني شيئا فتركوا خلفهم شعوبا بلا ملامح واضحة وحدودا مشوهة تحمل بذور الصراع إلى اليوم.
اليوم بعد مرور أكثر من مئة عام لا يحتاج الأحفاد إلى خريطة ورقية ولا قلم حبر ليرسموا خطوطا جديدة. التكنولوجيا فعلت ما هو أبشع؛ إذ صارت الخرائط تُرسم على شاشات الحاسوب بخوارزميات الذكاء الاصطناعي وبصفقات الطاقة والسلاح وبمنصات رقمية تتحكم في وعي الشعوب قبل أن تتحكم في حدود الدول. لم تعد المؤامرات تُدار في الغرف المغلقة فحسب بل تُبث أحيانا عبر نشرات الأخبار أو تغريدات غامضة أو اتفاقيات يُسوّق لها تحت عنوان السلام و التعاون بينما حقيقتها تفتيت وتجزئة وإعادة توزيع للنفوذ.
انظر حولك اليوم: السودان يشتعل والقرن الإفريقي يعاد هندسته وسوريا لم تخرج بعد من قبضة اللاعبين الدوليين والعراق يعيش حالة من الاستقطاب بين الشرق والغرب وفلسطين الجرح الأكبر الذي يحاولون إعادة صياغة قضيته بخرائط سياسية لا يراها إلا من يملك مفاتيح الضغط. أليس هذا كله استدعاءً جديدا لروح سايكس وبيكو؟ لكن بأدوات أكثر خطورة وأقل شفافية.
الفرق أن الأحفاد تعلموا من التاريخ فبدلا من أن يفرضوا خطوطا صريحة على الورق يتركون الأمور سائبة حدودا رخوة قابلة للاشتعال والانفجار في أي لحظة. لا حاجة الآن لاتفاق سري بين دولتين أوروبيتين فالعالم صار متشابكا بما يكفي كي تُنفذ المؤامرات علنا عبر مؤسسات كبرى أو تحالفات تبدو في ظاهرها مشروعات تنموية بينما حقيقتها إعادة تقسيم للثروات والسيادة.
الخرائط لم تعد ورقية لأن السيطرة لم تعد محصورة في الأرض وحدها. من يسيطر على الطاقة يحدد شكل المستقبل. من يملك مسارات الغاز والنفط ومن يتحكم في خطوط الملاحة البحرية ومن يفرض شروطه على تجارة الغذاء والدواء—هو من يعيد صياغة شكل الدول. وحتى الفضاء الإلكتروني صار ساحة لإعادة رسم النفوذ؛ يكفي أن تتحكم خوارزمية في ما يراه جيل بأكمله ليعاد تشكيل وعيه من جديد.
لكن المدهش أن الشعوب نفسها بدأت تدرك اللعبة. لم يعد الخداع سهلا كما كان قبل مئة عام. منصات الإعلام البديلة ووعي الشباب والذاكرة الجمعية التي تحتفظ بمرارة الماضي كلها أدوات مقاومة. صحيح أن الأحفاد يملكون قوة هائلة لكنهم يفتقدون إلى شيء أساسي: الشرعية الأخلاقية. وهنا تكمن قوة الشعوب.
إن أخطر ما يواجهنا اليوم ليس فقط مؤامرات الخارج بل الانقسام الداخلي الذي يمنح هؤلاء الأحفاد فرصة للعبث. في لحظة فراغ وطني يدخلون وفي لحظة صراع داخلي يفرضون شروطهم. لذلك، فإن المقاومة الحقيقية تبدأ من الداخل: من إعادة ترميم الثقة من استعادة سردية عربية مشتركة لا تُختزل في شعارات بل تُبنى على إدراك عميق بأننا أمام موجة جديدة من «سايكس–بيكو» لا تقل خطورة عن تلك التي جرت عام 1916.
لقد تعلمت القوى الكبرى كيف تستثمر في الأزمات بينما نحن لم نتعلم بعد كيف نحول أزماتنا إلى فرص. لكن التاريخ لا يُعاد بالنسخ بل يُعاد بالتحوير. وإذا كان سايكس وبيكو الأصليان قد رسما خرائط على ورق فإن أحفادهما اليوم يحاولون أن يرسموا خرائط داخل العقول. هنا يكمن التحدي الأكبر: هل نسمح لهم بأن يحتكروا وعينا كما احتكروا أرضنا من قبل؟
إن استدعاء اسم سايكس–بيكو اليوم ليس نوستالجيا للماضي بل تحذيرا من المستقبل. فالعالم يتغير بسرعة واللاعبون يتبدلون لكن قواعد اللعبة لم تتغير كثيرا: تقسيم وتجزئة، وتفتيت، وتوزيع نفوذ. وإذا لم نكن يقظين سنجد أنفسنا مرة أخرى على مائدة لا مكان لنا فيها سوى كأرقام في حسابات الآخرين.
لذلك فإن المعركة ليست معركة حدود وجغرافيا فحسب بل معركة وعي وإرادة. وإذا كان الأحفاد قد عادوا ليعيدوا كتابة الخرائط بوسائل جديدة فإن الرد عليهم لا يكون برفض الخرائط وحدها بل برسم خريطتنا نحن: خريطة وعي جديد ومشروع حضاري يعيد للمنطقة توازنها ويضع حدا لدورات الاستلاب التي تتكرر كل جيل.
التاريخ قد يعيد نفسه لكن ليس بالضرورة أن يعيد هزيمته. والأحفاد مهما امتلكوا من أدوات سيظلون بلا قيمة إذا وجدت الشعوب المرآة التي ترى فيها نفسها بوضوح. مرآة تُعيد تعريف الذات وتُعيد صياغة المصير بعيدا عن أقلام الغرباء وبأيدينا وحدنا.







