
تعود منطقة أبو رواش بمحافظة الجيزة إلى واجهة المشهد الليبي بالتزامن مع الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي، بعد اكتمال أعمال ترميم وتأهيل النصب التذكاري المقام في الموقع الذي شهد واحدة من أهم مراحل نشأة المؤسسة العسكرية الليبية.
ويكتسب الاحتفال هذا العام أهمية خاصة، إذ يستعيد ذكرى تأسيس الجيش من موقع مصري ارتبط مباشرة بتشكيل نواته الأولى، في فصل يعكس عمق الروابط التاريخية بين مصر وليبيا.
كيف بدأت قصة الجيش الليبي في مصر؟
يقع النصب التذكاري بالقرب من منطقة أبو رواش على طريق القاهرة ـ الإسكندرية الصحراوي، في المكان الذي أقيم فيه أول معسكر لتدريب المتطوعين الليبيين الذين شكلوا نواة جيش التحرير خلال الحرب العالمية الثانية.
وتعود بدايات القصة إلى عام 1939، عندما دعا الأمير إدريس السنوسي إلى اجتماع في الإسكندرية، ضم نحو 40 شخصية وزعيمًا ليبيًا مقيمين في مصر، لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسبل مواجهة الاحتلال الإيطالي.
وانتهى الاجتماع إلى تفويض إدريس السنوسي بالتفاوض مع السلطات البريطانية بشأن تشكيل جيش ليبي يشارك في معركة تحرير البلاد.
ومع تصاعد الحرب العالمية الثانية في شمال إفريقيا، عُقد اجتماع آخر في القاهرة خلال أغسطس 1940، وفي 9 أغسطس من العام نفسه صدر قرار تشكيل جيش التحرير، الذي عُرف لاحقًا باسم الجيش السنوسي، ليشكل النواة الأولى للجيش الليبي.
أبو رواش.. معسكر تدريب المتطوعين
بعد قرار التأسيس، جرى افتتاح مكتب لاستقبال المتطوعين في القاهرة، بينما أُقيم معسكر لتدريبهم في منطقة أبو رواش.
وتلقى المتطوعون تدريبات عسكرية تمهيدًا لمشاركتهم إلى جانب قوات الحلفاء في العمليات ضد القوات الإيطالية والألمانية في شمال إفريقيا خلال الحرب العالمية الثانية.
ولم يكن اختيار مصر نقطة انطلاق لتلك التجربة مرتبطًا بالحرب فقط، إذ كانت الأراضي المصرية ملاذًا لعدد من الليبيين خلال سنوات الاحتلال الإيطالي، كما أقام الأمير إدريس السنوسي في مصر لفترات طويلة، ووجد فيها عدد من المجاهدين والقيادات الليبية مساحة للتحرك وتنظيم صفوفهم.
9 أغسطس.. ذكرى تأسيس الجيش الليبي
تشير المصادر الليبية إلى أن 9 أغسطس 1940 يمثل البداية الفعلية لتأسيس الجيش الليبي، رغم اختلاف بعض المصادر بشأن التاريخ القانوني النهائي لتأسيس المؤسسة العسكرية بصورتها الرسمية.
ومع قيام الدولة الليبية المستقلة في 24 ديسمبر 1951، دخل الجيش مراحل جديدة من التطور المؤسسي، بينما ظل تاريخ 9 أغسطس معتمدًا لإحياء ذكرى تأسيسه.
ولا يخلد نصب أبو رواش معركة عسكرية محددة، وإنما يوثق المكان الذي شهد الانتقال من المقاومة المتفرقة إلى تشكيل قوة عسكرية منظمة تحمل مشروعًا وطنيًا لتحرير ليبيا.
نصب أبو رواش يستعيد دوره بعد الترميم
وخلال السنوات الماضية، استضاف النصب مراسم إحياء ذكرى تأسيس الجيش الليبي، من بينها احتفال الذكرى الـ74 عام 2014، عندما وضع رئيس أركان الجيش الليبي آنذاك إكليلًا من الزهور أمام النصب بحضور مسؤولين ليبيين وممثلين عن الجانب المصري.
وأعلن سفير ليبيا لدى مصر ومندوبها الدائم لدى جامعة الدول العربية، عبدالمطلب ثابت، اكتمال أعمال صيانة وترميم وتأهيل النصب بالتزامن مع الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش.
وأكد أن الموقع يمثل جانبًا أصيلًا من الذاكرة الوطنية الليبية والتاريخ المشترك بين مصر وليبيا، مشددًا على أن النصب ليس مجرد معلم، بل شاهد على مرحلة تأسست خلالها مؤسسة عسكرية ارتبطت بمشروع تحرير البلاد.
ذاكرة مشتركة بين القاهرة وطرابلس
وتتجاوز إعادة تأهيل النصب الجانب الهندسي أو البروتوكولي، إذ تعيد تسليط الضوء على مرحلة مهمة من تاريخ العلاقات المصرية الليبية، عندما أصبحت مصر إحدى أبرز ساحات العمل الوطني الليبي قبل الاستقلال.
ومع اكتمال أعمال الترميم وإعادة افتتاح النصب، تستعيد أبو رواش مكانتها بوصفها شاهدًا على ميلاد نواة الجيش الليبي، وعلى فصل تاريخي جمع البلدين في مواجهة الاحتلال والعمل من أجل استقلال ليبيا.









