
قصة / السيد حمزة
كان جالسًا فوق السَّرير،وجهه نحو الحائط،وظهره فى وجه الملتفين حواليه،يعْوى عِواءً مُفْجِعًا مُخيفًا؟!وقفت زوْجته مُتملْملة خلفه،وأطفاله حزانا يبكون،وحماته كانت تصْرخ فيه..تعنّفه..قائلةً له فى حدةٍ..وضيقٍ..معبّرة عن زهقها وحنْقها الشديد:
- العيال بلَّلوا أنفسهم،من الفزع والخوف ،يخرب بيتك.
التفت بعينين جاحظتين.. داميتين، تفرَِّٓس المُحيطين به باديًا عليه الهلع الشديد. كان طويل القامة،أبيض ذو شارب قصير،ربما أُحيلَ لوْن شاربه الأصفر إلى اللون البني،من فرط أنفاس دخان المعسل،التى كان يسحبها من” الجوزة”ويحبسها،ثم ينْفُثها وهويرتشف الشَّاى،فى أوقات الرَّاحة،وقت الضَّحْوية أوبعد الغداء، أوعند الأصيل..قبل غروب الشَّمْس ومع المساء. حُرِقَ شعرشاربه وأجزاء متفرقة من وجهه، بلهيب أشعة الشمس،التى تشْويه فى نهارات الصَّيف الطَّويلة،أيام بَؤُونة،التى يعمل فى نار حرها ساعات النَّهار. كل يوم بفأْسه،يجُوب الغيطان والمزارع،يسعى بجد ليتكسب رزقه.عمل بوابًا،لم يرتح؟! كان َيشْعُر بالضَّآلة والخزى،حين كانت ترسله إحدى النساء؛ليشترى لها شيئًا ما،يخص مستلزماتها الشَّخصيَّة من الصيدلية،واشتاق كثيرا للعمل بالفأس حين عمل بوابا. ذو بشرةٍ بيضاء،ووجه صبوحٍ..مشرق..مستدير الخدود،أبيض واضح الملامح،كأنه نُحِت من لبنٍ رائبٍ صاف البياض، لايشوبه سوى احمرارٍطفيفٍ ضاربٌ فى الوجنتين. سعى له نسيبه فى”غَفْرة”يعمل حارسًا، تقاضى منها راتبًا شهريًا ثابتًا،حفظ الجميل واعترف به،لأن ذلك العمل أفضل من الشغل المُضْنى الشَّاق،باليومية فى الحقول والمزارع،أوالعمل بواب عقار.رأى فى العمل الجديد ترقيَّة عظيمة،وترفيهًا له،لا يفعل شيئًا سوى تعميرالبكرج وتلقيم الشاى ،ومتابعته حتى يغلى،وحراسة آلات ومعدات العمل المستخدمة،فى إنشاء أحد الكبارى،والمؤن الخاصة به، الزلط والحديد والرَّمل والإسمنت،الكُوبرِى الذى أُقيم ليصلَ بين ضفتى بحر الهاويس،الذى يتغذى بالماء الهادرمن النهر مباشرة.على الضفَّتين الواسعتين،تملأ الجانبين أشجارُالكافورِالعتيقةِ ،وأشجارِالجازورين السَّامقة، وأشجارالتُّوت بأنواعه،التوت الأبيض..والتوت الحبش.. والتوت الأحمر، وأشجارالنَّخيل،وبعض نباتات الزِّينة،جعلت المكان جنَّة بالنهار،يأوى إليه المُحبّين والعاشقين. ومع حُلُول المساء،يزحف الظلام فى الليل،فيملأ القلق المكان،ويسكن الخوف النفوس،مع صوت الماء الهادربقوَّةٍ من الهويس، وسكون البشروالطّيْر،الذى يكف عن التغريد، وانتشارأصوات الضفادع، ونعيق البوم المتقطع،وصوت صرصورالغيط الصاخب،الذى يشق الظلام،ويصمُّ الآذان بصوته الحاد،خمَّن تمَّت زراعة هذه الأشجارونباتات الزينة،منذ زمن بعيد،ربما منذ تم بناء القناطرعلى مجرى النهر. عمل خفيرًا بجوارطريق إسفلتى،وخط سكة حديد، ومجرى الماء،خايِلته كثيرًا أشباحٌ،كانت تسيرتحت ظل الشَّجر،فى الليالى المُقْمرة،ثم تقفز فى الماء الهادر من فوق”داربزين”الهاويس، نادته جِنِيَّاتٌ،تسكن الضّفة الأخرى من المجرى،تعيش فى بئرَساقية،ترفع ماء النهر،عبرسحَّارة،تَمْرُق من تحت الطريق الإسفلتى وشريط القطار،وجنية إنسيَّة ،أتت إليه أكثرمن مرّة، شاغلته ودعته إليها،ليتبعها، لم يسمع لها،كان يُغذّى نارالرَّاكية بالحطب اليابس، ويلمُّ الجمْربعصاةٍ غليظة كالوتد فى يده،حول الأبريق الذى ينفث بخارَ الشاى، لساعات طوال الليل.فى ليلةٍ مقمرةٍ،أتى مجموعةٌ من الرجال الملثَّمين حاملين جوالًا ثقيلًا،تناوبوا فى حمله بالكاد،لم يفطنوا لوجوده، حين رآهم،قال بصوت مهزوز..ملأه الخوف،كضوء ضعيف شق الظلام،على استحياء لاأثر له،وهويصب الشاى فى كوب صغيرة،بيد من الصاج الأبيض،عَكَسَ ضوءَ نارِالراكية الباهت فى الظلام:
- مين هناك؟؟؟ تفضَّلوا الشاى.
لم يُجبه أحدٌ،خرجت عليه من عتمة الظلام بعض الاشباح لم يستطع تمييز وجوههم،سمع فقط أصواتهم ،وهم يسبُّونه بهنْى أمه ودين أبيه.
- مش عايزين يا ” كُ ….. مكْ “
جذبوه بعنف من ذراعيه، وساروا به بعيدًا عن مكان غفرته،أضاء أحدهم كشَّافًا ،بعد ما رموا الجوال أمامه ..تحت قدميه،فتح أحدُهم فَمَ الجوال،الذى قفزت منه رأسُ إنسانٍ،خرج لسانُه عريضًا منتفخًا من فمه، خُيّل إليه لأول وهلة،فى أول الأمرأنه لسانٌ،سَلَّط الرّجال الضَّوء،على الفم القامِط، على عضو ذكرى،لفحل بشرى،هيئة وجهه وملامحه توحى بأنه شاب ثلاثينى،تم جز رقبته كعرجون موز، بميل خفيف،ولاحظ أثرًا واضحًا لضربةٍ قويةٍ،على جبينه شجَّت قُورته،صرخ مهزومًا،خارت قواه ،اهتز وسقط كنخلة،اقتلعتها ريحٌ عاصفةٌ.
فقد الوعي،ضربوه على وجهه وشدوا أذنيه..وصبوا عليه الماء،حتى فاق من غيبوبته؛سألوه :
- تعرفه؟؟من هذا؟؟من أى ناحية؟؟
تلعثم قائلًا فى فزعٍ:
- والله ما أعرفه.
وتهته سائلًا:
- عمل إيه؟عمل إيه آذى أحدًا ؟؟
لم يُجبْه أحدٌ،بل انهالوا عليه ضربًا،وقال له أحدهم مهددا :
- لونطقت بكلمةٍ ذبحناك، وفعلنا بك مثله تخرس.. اخرس مفهوم .قذف أحدهم الجوال فى النهر،لم ينطق ، وأومأ برأسه علامة الموافقة .
جاء العاملون فى تشييد الكُبرى صباحًا،وجدوه كذئب جُرحت ساعده أو ساقه،من قبضةِ فخٍ،يعوى عواءً مزَّق قلوبهم ، وبعث الالم فى نفوسهم،لم يستطع أحدٌ التفاهم معه ، وما أراد أحد تهدأته ،إلَّا وقوبل بالعويل والعواء ، الذى أفزع فراخ الغيط السَّابحة فوق سطح الماء ،والبط والأوز المبكر إلى النهر ،عوى فى وجه السمكات الطافية على سطح الماء ،تلوح لشمس الشروق، وأشعتها الحانية ، ففرَّت هاربة .. وغاصت إلى قاع النهر، فزع الصيادون فى قواربهم ، وارتجف الفلاحون فوق ركائبهم ،من ذاك العويل الطويل، وهم يمرقون فى طريقهم للغيطان والمزارع ، وتساقطت أوراق الغصون وثمرات الشجر . فشل كل من حاول التحدث أو التفاهم معه ، فاصطحبه الريس “حسين جلال” إلى قريته ، سلَّمه إلى أهله ، بعدما لمَّ ..وجمع الخلق عليه ، فى طرق السَّفر ،ومواقف السيارات ، ومحطات القطارات ، من فرط عويله وشدة عوائه ، فزع الناس والكلاب والدواب على السكك .. وفى الدور، وفزع الطير على الشجر . لم يعرف زوجته ولا أولاده ، وظل هكذا يعوى ، حتى مات جاحظة عيناه ، والفزع والخوف يتجليان فى ملامحه ، ويظهران فى كل جزء من وجهه ، وجدوه فى أحد الصباحات جثة هامدة ،فى أحد أركان السرير،ساكنًا لاحراك ولا حياة ولا عواءً، وجدوه عودًا ضامرًا.. يابسًا كمومياء.لاذ من الخوف بالموت .








