
بقلم الناقد الأديب
باسم أحمد عبد الحميد
الحب هو الجنون الوحيد المقبول بالدنيا ،هكذا لاحظت بأم عيني سلوك العشاق والمحبين ،وحتى الشعراء والمبدعين … وسألت نفسي لماذا يجن الكتاب والشعراء، ولماذا يكون لهم عوالم أخري أكثر اتساعاً، وأرحب قدراً، وأعلى مكانة من غيرها، ولماذا يسعون دائما إلى المطلق واللامحدود؟!
اعتقد أن الهدف دائماً هو الهروب عن المألوف، والمتداول، و المبتذل، والمكرر، والمنسوخ، إلى التعبير عن مشاعر فائقة الكثافة، او الاستجابة لضغط العبقرية اللغوية، والمشاعر الانسانية، التي يشعر بها ولا يشعر بها غيره، لأنه باختصار شاعر، قادته مشاعره لاصطرابات عقلية مؤقتة، او دائمة!!
والوقوع في الحب يشبه الجنون العقلي، حيث يترنح الحبيب، بين اليأس والنشوة، بين النشاط والخمول، بين الأمل والألم، فتارة تجده يصدح كعصفور الكناري، وتارة أخرى تجده يمرض لمجرد كلمة لم ترق له، أو عبارة غير مستحبة، فتجده يود ان يتعاطف الجميع معه، وليتهم يقولون لها انها كانت السبب!!!
حينما تتسارع الأنفاس، والنبضات، ودقات القلب، فاعلم أن سهم الحب أصابك، وتحول الألم إلى سطور من نور، وهذا ما يسمى بالولادة الشعرية، فكل رد فعل صاحب التجربة الشعورية، حمل جنين الكتابة.. حمل ولادة الشعر!!
وهذه التجربة نعتبرها جنوناً مبدعاً، والفنون جنون، والحب جنون، واجمل مافيه جنونه كما قال جبران خليل جبران!!
هذا الجنون ليس مرضاً دائما ً بل تجاوز للمالوف في التعبير واللغة.
هؤلاء المتيمون مصابون بجنون الحب، ومنهم من ارتبط اسمهم بالعشق والوجد، والانسجام، والهيام والتتيم ، مثل مجنون ليلى، والذي كان يمر على الديار ديار ليلى، يقبل ذا الجدار وذا الجدار، وما حب الديار شغفن قلبه، ولكن حب من سكن الديار!!
كما قال :
يقولون ليلى بالعراق مريضة، فيا ليتني كنت الطبيب المداويا..
اذن مهمة الشاعر عندما يجذبه( الجنون )من جهة ،ويسحبه العقل من جهة ثانية ، فتضطرب في بحر وعيه موجات الكلام ،وتتداخل الكلمات ،مع بعضها البعض لتتخذ معاني جديدة خالعة ثوبها الأول، الذي تنام به في القواميس،وتلبس ثوباً زاهياً جديداً يخرجها إلى الحياة…
والشاعر في غيبوبة الصفاء يرى الماضي والمستقبل يتقابلان وجهاً لوجه فوق لسانه،فتنبع القصيدة وتنساب في قدرها الجديد على الورق ،وتظل تنتظر إلى أن يأتي القارئ الحقيقي،ليخطفها من نومة الفراغ ،ويتشبع مشغولا بها وبسحرها الكامل ..
والجنون هو( محرك ) الروعة وصانع الجمال ،والشاعر المجنون هو الذي ينحت في جمود الكون صورا يعجز أعقل العقلاء عن التفكير فيها ،فالجنون يمدنا بطاقة الحياة ،فهو من يدفعنا للقفز من على السرير ،و الوقوف أمام المرايا بل والضحك بلا سبب مقنع !!!
ربما أغلب العباقرة في رأيي أصابهم لوثة الجنون ،بل ان العبقرية في حد ذاتها تعتبر نوعاً من الجنون ونوعاً من اللوثة !!
فمثلا (فولتا ) مخترع البطارية كان في مدرسة للمتخلفين عقليا ،لأنه لم يتحدث حتى سن الرابعة !!!
المخرج الراحل الكبير يوسف شاهين اتهمه البعض بالجنون ،لا لأنه أبدع في دور المجنون مع ( هنومة) ،بل لأن الإبداع هو درب من الجنون !!!
إذن فالمبدع الحقيقي حقا ،هو من لم يستسلم للمنطق العادي،وقرر اختيار العناد والتحدي والقفز فوق أسوار اليأس للوصول إلي الاختراعات ،والاكتشافات ،ومئات ماتوا و هم في طريق الجنون ،،،
والشاعر الفذ أحمد غراب دخل تجربة الموت، ثم عاد للحياة مسجلاً أروع تجربة شعرية، لم يسبقه أي شاعر بالعالم، يكتب ما أحسه في رحلة للعالم الآخر، وقد يهاجمني البعض، كيف مات، وكيف رجع للحياة، وهذا الأمر، يقودنا جميعاً لقراءة النص أولاً، ثم الحكم الموضوعي السليم..
والشاعر السوداني الراحل إدريس جمّاع قضى حياته مصورًا للحسن والجمال ومذهولاً به.. لينسج الرواة «أساطير» حول قصائده والظروف التي قيلت فيها، وأنها السبب في إصابته بلوثة (الجنون) وفقدان عقله في آخر عمره.
حيث يغلب على موضوع شعره التأمل والحب والجمال والحكمة و كتب :
قصيدة «أنت السماء»، حيث قال الشاعر مخاطبًا زوج امرأة جميلة حال بينها وبين الشاعر أثناء سفره في المطار، وأطال النظر إليها، فغضب زوجها غيرةً، فكان رد إدريس شعرا
أعلى الجمال تغار منا !!
ماذا عليك إذا نظرنا
هي نظرة تُنسي الوقارَ
وتُسعد الروح المعنّى
ويقال أن عباس محمود العقاد عندما سمع هذا الشعر سأل: لمن هذا؟
فقيل هذا لشاعر مجنون، إسمه إدريس محمد جماع
فقال فعلاً هذا الشعر لا يقوله شاعر عادي !!
ويروى أن الأطباء قرروا سفره للعلاج بلندن ،بعد أن استحال علاجه بمصر ، وهناك كان يطيل النظر في عيني ممرضة كانت تعالجه في مستشفى الأمراض النفسية، فشكت الأمر لمديرها، فنصحها بأن تضع نظارة سوداء على عينيها، وهكذا أخفتهما عنه فأنشد ﺟﻤَّﺎﻉ البيت:
السيف في غمدة لا تخشى مضاربه
وسيف عينيك في الحالتين بتار !!
فطلبت الترجمة إلى الإنجليزية
ثم بكت بكاءاً شديداً حين فهمت النص !!
واعتبر بعض النقاد إن هذا البيت أبلغ بيت في الشعر العربي على الإطلاق في الغزل في الشعر الحديث لما تتطابق إحساسه ،مع مفرداته، والشاعر الراحل كامل الشناوي، كان يعشق المطربة ( نجاة حسني) والتي وصفها بانها رقيقة حد أن تلمسها فتذوب في يديك، كان يحبها بجنون، وكانت تحب كاتباً معروفاً ، فهو جن بحب ليلى، وليلى جنت بغيره، وغيره جن بغير ليلى!!
لكن يبقى البيت الخالد، فأنا صنعتك من هواى ومن جنوني، ولقد برأت من الهوى ومن الجنون؟!
وهناك شخصية ، أتعامل معها بهذا المنطق المبدع أيضا وهي ، شخصية ثرية في حياتي مجنونة بحق !!!
رجل مختلف ..مختلف جدا …أراه ذكيا ..حصيفاً فصيحاً،،شاعراً مطبوعاً بحق ،،،لا تخل قصائده الكونية ،والعاطفية ،وقصائد الميتافيزيقا، من ألوان الجنون !!!
هذا اتهام صريح لهذا الشخصية الكبيرة الاستثنائية ،باختصار لأنها خرجت عن المألوف، في الصور ،والاخيلة ،
والاستعارات ،والمجازات ، هذا الشاعر الكوني له.مفرداته ،ومدرسته الخاصة جدا ، وأقول له استمر في جنونك، فأنا مجنون مثلك!!








