
بقلم: د. علي زين العابدين الحسيني
تنكشف المسافة الدقيقة بين الفكر والعبارة في لحظات صمت بين الكاتب وقلمه؛ تلك المسافة التي لا يُجسِّرها شيء كما تفعل القراءة؛ فالكتابة -على بهائها- لا تُنبت نفسها، وإنما تستمد حياتها من الكتب التي تُغذيها، ومن السطور التي تسبقها. وللكاتب ساعاتٌ يضيق فيها المداد، ويبهت فيها الخيال، فيعود إلى دفاتره القديمة، أو إلى ذاكرته المثقلة بما مرّ به من خواطر وأيام؛ فإذا لم يجد ما يُسعفه، أدرك أنّ دواء القلم مقالٌ جديد.
أجل، حين تضيق الكتابة عن أيِّ كاتبٍ، فإنه سرعان ما يلجأ إلى أمرين: يفتش عمّا كتبه في دفاتره القديمة من ملحوظاتٍ أو أفكارٍ تكون مادّةً لموضوعٍ جديد، فإن لم يُفلح في هذا الأمر استدعى ذكرياته القديمة لتكون نواةَ مقالٍ. هذا ما يفعله كثيرون، لكن النبيهَ هو من يجدد زاده اليومي، وليس هناك أفضل من القراءة؛ لأنها الزاد الحقيقي للكتابة.
أستطيع أن أصف كثيرين ممن يجيدون فنّ الكتابة بأنهم في بداية أمرهم «قراءٌ عظماء»، فالكاتب العظيم هو في بدايته قارئٌ نَهِم.
وقد كُتب عن مدى العلاقة القوية بين الكتابة والقراءة كثيرٌ من المقالات والدراسات، لكن خير دليلٍ على ذلك ما يسمى بلسان الحال؛ فأفضل كتّاب عصرنا؛ كالعقاد والزيات والرافعي والمازني والبيومي، هم في الأصل قرّاء، وامتهان مهنة الكتابة يسبقه تفرّغٌ تامٌّ للقراءة.
وخيرُ من وَظَّف قراءاته في كتاباته إبراهيم المازني ومحمد رجب البيومي؛ فكثيرٌ من الناس يقرؤون ولا يتجاوز نفع قراءتهم ذواتهم، وخير القرّاء من يجعل القراءة حياةً تُترجَم أثرًا في فكره وفعله.
وأنا أجد هذا الشيء واضحًا في حياتي العملية؛ فقد انشغلتُ هذه الأيام بالانتهاء من عدة كتبٍ ستصدر في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026م، فأقضي يومي كلَّه في التحضير لهذه الكتب ومراجعة ما كتبته، حتى ربما انقطعتُ عن القراءة المنتظمة لأجل ذلك؛ فأشعر بحالةٍ من الاختلاف عمّا قبل في الكتابة، وأجد الأمر ثقيلًا عليّ، ولست أدري: أهو الانشغال التام بهذه الكتب؟ أم أن الابتعاد عن القراءة المنتظمة يورث وحشةً بين الكتابة والإنجاز؟
على كلٍّ، تلك حالةٌ عجيبةٌ أمرّ بها، وكان ينبغي عليّ رصدها؛ لأستفيد منها في المستقبل، لأني رأيت من خلالها أن التحصيل اليومي أمرٌ مهمٌّ للكاتب، وإلا انقطع يومًا عن مهمته؛ إذ القراءة بالنسبة له كالأكل والشرب، ضرورةٌ حياتيةٌ يستكمل بها أدواته لأجل الكتابة.
كنتُ فيما مضى أتأمل بعض سِيَر أساتذتي الذين يطيلون الجلوس للقراءة، وأتعجب: كيف لرجلٍ سبعينيٍّ يقضي معظم وقته في القراءة؟! لكنّي أيقنت أن قضاء يومٍ كاملٍ في القراءة يعني إخراجَ مقالٍ آخرَ الأسبوع.
وقد علمتَ أن الأستاذ أحمد حسن الزيات – مع جلال قدره – كان يستغرق يومًا كاملًا في كتابة مقاله الافتتاحي لمجلة «الرسالة»، فيظل يكتب ويراجع، ويبدل كلمةً بكلمةٍ، وعبارةً بعبارةٍ، حتى يخرج المقال ناصعَ البيان، واضحَ الأفكار، منشود الغاية.
ومن الأشياء المهمة التي يحتاجها الكاتب في أيامه: كتابة تلك الخواطر القصيرة والأفكار العميقة في أسطرٍ قليلةٍ، وحفظها في مكانٍ يسهل الوصول إليه، لأنها تُستعمل عند كتابة المقال. فيمكن جمع ما تشابه منها، وتكوين مقالاتٍ مختلفةٍ في موضوعاتٍ متعددةٍ من خلال تجميع هذه الأفكار عبر الأيام.
ومثال ذلك: أن تكون لك خواطر كتبتها عن «الصديق» في أيامٍ متفرقة؛ فإذا أردت أن تكتب مقالًا عنه، جمعتَ كل تلك الكتابات تحت عنوانٍ واحدٍ، ونسّقت بينها، وأضفتَ ما يلزم.
وهذا الصنيع معروفٌ قديمًا في التصنيف عند العلماء؛ فكانوا يجمعون من الكتب النصوصَ المختلفة، ويكتبونها في أوراقٍ خارجية، ثم بعد مرحلة الجمع تأتي مرحلة الترتيب، والتحليل، والإضافة، وقد تكون الإضافة بالحذف أو بالزيادة.
وممّن رأيتُه يعمل هذا أستاذُنا محمد رجب البيومي، وكان يُفهرس مجلة «الرسالة» على الموضوعات؛ فربما في مقالٍ واحدٍ أشار إلى جزءٍ يتكلم عن النقد الأدبي، وفي مقالٍ آخرَ يتناول الفكرة ذاتها، فإذا رأيتَ نسخته وجدتَها مفهرسةً على الموضوعات، وهذا عملٌ جليل.
وأنا أستعين في كتابة هذه الخواطر والأفكار بالوسائل الحديثة؛ فأكتبها في الرسائل المحفوظة في تطبيق «تليجرام»، وأكرر النظر فيها من حينٍ لآخر، وربما نشرتُ بعضها على حساباتي المختلفة من أجل توثيقها وحفظها في مكانٍ يسهل الرجوع إليه.
وقد أتأخر في نشر بعضها؛ لأن الفكرة لم تكتمل بعد، وربما تكتمل في شهورٍ، فأنت ترى عدة أسطرٍ لا تتجاوز العشر، وقد كلّفتني من الوقت ما يزيد على الشهر من المراجعة والإضافة والتعديل، فالأفكار المهمة تأخذ وقتًا في المراجعة.
على أني لا أستهين بأيِّ فكرةٍ طارئةٍ؛ فأكتبها قبل أن تذهب، وليس معنى كتابتها أني رضيتُ بها على وضعها الحالي، وإنما هو حفظٌ من ضياعها والبناء عليها. فلا يُولَد عملٌ عظيمٌ مكتملًا، بل يحتاج إلى وقتٍ أطول من التفكير، لكن بداية عظمتِه تكون من تسجيله وحفظه من الضياع؛ فلولا ذلك ما اكتمل في مشروع كتابة.
وليست هناك غفلة أشدّ من البعد عن القراءة؛ غفلة صامتة لا تنبّهك إلا حين يخفت في داخلك بريقٌ خفيّ، فتفقد تلك اللمعة التي لا يعيدها إلا جلسة مع كتاب.
ولعل ما قيّدتُه اليوم من الجهد في أمر الكتابة يكون شاهدًا على تلك الفترة التي انشغلتُ فيها بإعداد الكتب التي أنوي بعد أيامٍ قليلةٍ تسليمها إلى الناشر، لتهيئتها للطباعة حتى تخرج إلى النور في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026م. وبعد صدورها سأعود إلى هذا المقال، وأجدد العهد به مرةً أخرى، وحتى تأتي هذه اللحظة، أجدد الحب لأساتذتي الذين أشغلونا بالكتابة، ورغم ما فيها من آلامٍ، إلا أنها تهون عند رؤية ما ينفع الآخرين.
