
بقلم / د. إبراهيم محمود هارون
لم يكن والدي —رضي الله عنه وأرضاه— يرى فيّ مجرد ابن، بل كان يراني مشروعاً علمياً، ومنارة معرفية أراد لها أن تضيء سماء ليبيا. كان يسكنه شغفٌ عظيم بأن أبلغ أرفع المراتب العلمية، وأن تتسع مداركي لأتفقّه في شتى مجالات المعرفة الإنسانية والشرعية.
أذكر ذات يوم، والفضول يدفعني، أنني سألته: “يا أبي، لماذا تجدّ في طلبي أن أكون فقيهاً في كل مجال؟”
فأجابني بعينين تلمعان بالرؤية ويقين الواثق: “هكذا يُصنع العلماء يا بني. أريدك إماماً في الفقه وأصوله، تالياً للقرآن فاهماً لأسراره، مُلماً بالسيرة النبوية العطرة، محيطاً بحوادث التاريخ، ومدركاً لشتى العلوم الحديثة. أريدك يا إبراهيم موسوعة علمية تمشي على الأرض، كالحاسوب الرقمي؛ يُلقى إليه السؤال، فيجيب في لمح البصر”.

بدت لي تلك الغاية وقتها جبلاً واهقاً يصعب ارتقاؤه، فقد كنت غض الإهاب لم أتجاوز السادسة عشرة من عمري. وكان والدي —رحمه الله— حازماً معي في طلب العلم، لا يعرف الهوادة؛ يشتري لي أمهات الكتب، ويحثني بلسان الحال والمقال: “تعلّم، واقرأ، واصنع لنفسك مجداً”. وظل يغذّي شغفي بالكتب حتى غدت مكتبتي اليوم تضم بين جنباتها ثمانمائة كتاب، ولله الفضل والمنة.
لم تكن القراءة عندي مجرد تزجية للوقت، بل كانت التزاماً صارماً يُتابعني فيه والدي شبراً بشبر؛ فكان يسألني عقب كل كتاب أفرغ منه: “ما موضوع هذا السفر؟ وعمّ يتحدث ذاك؟”، يختبر صدقي ويتثبت من عمق استيعابي. ولأجل هذا الهدف الأسمى، انسلختُ عن حياة أقراني؛ فلم أعش طفولتي ولا شبابي كما يعيشه عامة الناس، بل نذرتُ وقتي كله، وأفنيت سنيّ عمري متفرغاً بين الأوراق والمحابر.
واليوم، قطفتُ ثمار ذلك الغرس المُرّ حلاوةً؛ فما يُعرض عليّ سؤال أو تُستشهد في أمري معضلة، إلا وأبادرها بالجواب الشافي، والدليل القاطع، والحجة البالغة دون تردد أو وجل. وإن هذا الفضل كله —بعد توفيق الله سبحانه— إنما يعود لتلك الشدة الأبوية المباركة التي صهرت موهبتي. والعجيب أن والدي لم يكن عالماً أكاديمياً، لكنه كان صادق العهد مع الله، حافظاً لكتابه، متبحراً في آياته وتفسيره، وشغوفاً بقصصه وعبره. وقد حقق الله رجاءه فيّ، وصرتُ كما تمنى متفقهاً في العلوم، ببركة دعواته وسداد توجيهه.
ولم تنقطع رعايته لي حتى بعد أن اشتد عودي؛ فكنتُ إذا هممتُ بكتابة مقال لصحيفة، أو أعددتُ لحلقة ومداخلة تلفزيونية، آتيه بالمسوّدة مستشيراً، فيقول لي بحنو الأب وحكمة الخبير: “اقرأ عليّ ما كتبت”. فيسمع متبصراً، ويوجهني قائلاً: “احذف هذا الخطأ، وأضف هذه الفائدة النافعة”.
وحتى محاضراتي الجامعية التي ألقيها على مسامع طلابي، لم تكن تغيب عن باله؛ فكان يستقصي أخبارها، ويوصيني بمن تحت يديّ من طلبة العلم وصيةً لا تنمحي من ذاكرتي: “ارفق بهم يا بني، واتقِ الله فيهم”. فكان لي المعلم الأول، والموجّه الأسمى، والدافع الأكبر في رحلة العلم والحياة.








