
بقلم: أمير الألفي
لم أكن يوما أبحث عن الوحدة، ولم أتخيل أن يأتي يوم تصبح فيه رغبتي الوحيدة أن أبتعد عن الجميع، وأغلق بابي، وأعيش في هدوء لا يسألني فيه أحد لماذا تغيرت.
لكن يبدو أن الإنسان لا يختار الوحدة دائما، فأحيانا يدفع إليها دفعا.
تبدأ الحكاية من المكان الذي كان من المفترض أن يكون أكثر الأماكن أمانا: البيت. من أب كنت أتمنى أن أشعر بجواره بالسند، ومن أم كنت أبحث في قلبها عن حضن لا يفرق بين أبنائها، ومن إخوة كنت أظن أن الدم وحده كاف ليجعلنا ظهرا لبعضنا البعض.
ثم تكبر، وتكتشف أن صلة الدم لا تضمن الدفء، وأن الإنسان قد يعيش وسط عائلة كاملة، ومع ذلك يشعر وكأنه بلا عائلة. والأصعب من الخذلان نفسه أنك تظل تحاول؛ تعطي فرصة وراء فرصة، وتسامح، وتصمت، وتقول لنفسك: ربما يتغير شيء غدا. لكن الغد يأتي محملا بالخذلان ذاته.
ثم تقابل إنسانة، فتقول لنفسك: ربما يعوضني الله بها عن بعض ما افتقدته. تحاول أن تكون صادقا معها، تراعي مشاعرها، تخاف عليها، وتقف بجوارها قدر استطاعتك. لا تطلب المستحيل، بل كل ما تتمناه أن تشعر بأن هناك شخصا واحدا في هذا العالم يثق بك ويشعر بما تحمله داخلك.
لكن بدلا من أن تجد الأمان، تجد نفسك كل يوم داخل محكمة جديدة؛ مرة متهما بإنسانة، ومرة بأخرى، ومرة مطالبا بأن تثبت براءتك من شيء لم تفعله من الأساس.
تشرح، وتطمئن، وتحاول أن تحتوي خوف الطرف الآخر، ثم تكتشف بعد فترة أنك استنزفت. فلعل من أقسى ما يمكن أن يواجهه الإنسان الصادق أن يقضي حياته محاولا إثبات صدقه لمن يحب.
ومع تكرار الخذلان، يحدث شيء غريب بداخلك. لا تعود غاضبا كما كنت، ولا تصبح راغبا في الانتقام أو حتى العتاب. تصبح متعبا فقط.
لا تريد أن تتشاجر، ولا أن تبرر، ولا حتى أن تنتصر في النقاش. كل ما تريده هو الصمت.
تبدأ في الشعور بأن الجلوس وحدك خلف باب مغلق أرحم من وجودك وسط أشخاص يجبرونك كل يوم على الدفاع عن نفسك. وتسأل: لماذا أحتاج إلى كل هذا؟ لماذا أبحث عن الحب إذا كان ثمنه أن أعيش متهما؟ ولماذا أبحث عن العائلة إذا كنت سأشعر بالغربة وسطها؟ ولماذا أظل أطرق أبوابا لم أجد خلفها سوى الخذلان؟
وهنا تبدأ الوحدة في تغيير معناها.
لم تعد عقابا، بل أصبحت ملجأ.
مكانا لا يتهمك فيه أحد، ولا تحتاج فيه إلى شرح نفسك، ولا تخاف فيه من كلمة مفاجئة تهدم يومك كله. مكانا تستطيع فيه أن تصمت دون أن يسألك أحد عن سبب صمتك، وأن تجمع ما تبقى منك دون أن يطالبك أحد بالمزيد.
قد يراك الآخرون وقد تغيرت، وربما يقول أحدهم إنك أصبحت باردا أو انعزاليا، لكنهم لا يعرفون كم مرة حاولت قبل أن تصمت. لا يعرفون عدد المرات التي احتجت فيها إلى حضن فوجدت عتابا، ولا عدد المرات التي احتجت فيها إلى ثقة فوجدت شكا، ولا عدد المرات التي كنت فيها أنت السند للجميع، وحين احتجت إلى من يسندك لم تجد أحدا.
أنا لا أكره الناس، ولا أكره عائلتي، ولا أكره الإنسانة التي أحببتها.
أنا فقط تعبت.
تعبت من أن أعطي أكثر مما أستطيع، ثم أعود إلى نفسي فارغا. تعبت من أن أشرح أن قلبي ليس بالسوء الذي يتخيله الآخرون. وتعبت أكثر من أن أطالب بحق يبدو بسيطا، لكنه أصبح بالنسبة إلي حلما: أن يشعر أحد بوجعي قبل أن يحاسبني على صمتي.
لذلك، إن اخترت يوما أن أعيش وحدي، فلا تسألوني لماذا ابتعدت، بل اسألوا كم مرة اقتربت ولم أجد أحدا..
أنا فقط شعرت أكثر مما ينبغي.
ربما لم تكن الوحدة هي الحياة التي تمنيتها لنفسي، لكنها أصبحت أرحم من حياة أقضيها بين الخذلان والشك ومحاولات إثبات نفسي لمن كان من المفترض أن يعرفني دون كل هذا العناء.
وبعد كل ما رأيته من أقرب الناس، لم أعد أخشى الوحدة كما كنت، بل أصبحت أخاف من شيء واحد أكثر منها:
أن أهرب من الوحدة إلى الناس، فأعود منهم أكثر وحدة.









