
بقلم /محمد عبد الرحيم حامد
باحث في السياسات العامة
اثنا عشر عاما مرت علينا في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، اثنا عشر عاما بكل ما حملته من تحديات وأزمات وضغوط اقتصادية واجتماعية، وبكل ما شهدته المنطقة من حروب وصراعات وانهيارات وسقوط دول وتفكك مجتمعات، ومع ذلك كله ما زالت مصر واقفة، وما زالت دولة لها جيش يحمي حدودها، ومؤسسات تعمل، وأجهزة تحفظ أمنها، وشعب يعيش على أرضه وبين أهله، وهذه في حد ذاتها نعمة كبيرة تستحق أن نقول قبل أي شيء: الحمد لله على نعمة مصر.
ولا أحد يستطيع أن ينكر ان المواطن المصري يعاني من الغلاء، وان الاسعار اصبحت تمثل ضغطا حقيقيا على الاسرة المصرية، وان هناك ابا يكافح من اجل توفير احتياجات بيته، واما تحاول ان تدبر ميزانية منزلها، وشابا يبحث عن فرصة عمل وحياة افضل. ولذلك ليس من الانصاف ان نطلب من المواطن ان يتجاهل معاناته او ان نقول له ان كل شيء على ما يرام. لا، هناك ازمات حقيقية، وهناك اخطاء حقيقية، وهناك قرارات تحتاج الى مراجعة، وهناك مسؤولون لم يكونوا على قدر المسؤولية، وهناك فساد وتقصير يجب ان تتم مواجهتهما بكل قوة، لان الاعتراف بالمشكلة هو اول طريق لعلاجها.
لكن في الوقت نفسه علينا ان نكون منصفين، وان نفرق بين الدولة وبين المسؤول، وبين الوطن وبين الحكومة، وبين نقد الاداء وبين هدم الكيان. مصر اكبر من اي رئيس، واكبر من اي حكومة، واكبر من اي وزير او مسؤول، والدولة ليست شخصا واحدا حتى نحملها وحدها كل خطأ، كما ان وجود الفساد او التقصير في بعض المواقع لا يعني ان الدولة كلها فاسدة، ووجود ازمة اقتصادية لا يعني ان الوطن انهار، ووجود قرارات نختلف معها لا يعني اننا فقدنا كل شيء.
نحن ببساطة لا نعيش في الدولة الفاضلة التي لا تعرف الخطأ، ولا توجد على وجه الارض دولة بلا ازمات او فساد او مسؤولين مقصرين. الفرق الحقيقي هو ان تكون الدولة قادرة على مواجهة ازماتها واصلاح اخطائها والحفاظ على مؤسساتها وامنها واستقرارها، وهذا ما يجب ان نفهمه ونحن ننظر الى مصر وسط اقليم مضطرب شهد خلال السنوات الماضية سقوط دول وتفكك مؤسسات وحروبا وصراعات لا تزال مستمرة حتى اليوم، بينما بقيت مصر بفضل الله دولة متماسكة وقادرة على حماية حدودها والحفاظ على كيانها.
نعم، نريد اصلاحا، ونريد محاسبة كل مسؤول فاسد او مقصر، ونريد مواجهة حقيقية للفساد، ونريد اقتصادا اقوى، ونريد اسعارا ارحم بالمواطن، ونريد فرص عمل افضل للشباب، ونريد ان يشعر المواطن ان الدولة تسمعه وتشعر بمعاناته، ونريد ان تكون الاولوية دائما للانسان المصري وحقه في حياة كريمة. وكل هذه المطالب ليست عيبا ولا خيانة، بل هي مطالب طبيعية من مواطن يحب بلده ويريد ان يراها افضل.
لكن هناك فرقا كبيرا بين ان تنتقد الدولة من اجل اصلاحها، وبين ان تستخدم اخطاء الدولة ذريعة لهدمها، وبين ان تقول للمسؤول انت اخطأت، وبين ان تقول للمواطن ان وطنك كله هو المشكلة. هناك فرق بين المطالبة بمحاسبة فاسد وبين مهاجمة مؤسسات الدولة كلها بسبب فاسد او مجموعة من الفاسدين.
سقوط الدولة لا يفرق بين غني وفقير، ولا بين مؤيد ومعارض، ولا بين من كان غاضبا ومن كان راضيا. وعندما تبدأ الفوضى لا يسأل احد الناس عن مواقفهم السابقة، وانما يدفع الجميع الثمن.
ولهذا اقولها بوضوح: انا مع المواطن في معاناته، ومع حقه في حياة كريمة، ومع حقه في ان ينتقد ويعترض ويطالب بالاصلاح، لكنني في الوقت نفسه مع مصر، مع بقاء الدولة، مع امنها، مع جيشها، مع مؤسساتها، ومع الحفاظ على هذا الوطن من الفوضى والانقسام.
لان الوطن ليس حكومة تتغير، وليس مسؤولا يأتي ويذهب. الوطن هو الارض والتاريخ والناس والاجيال القادمة. ومصر التي ورثناها عن آبائنا علينا ان نسلمها لابنائنا وهي اقوى واكثر استقرارا وامنا.
ولست ممن يقولون ان كل شيء رائع، ولا ممن يرون ان كل قرار صائب، ولا ممن يرفضون النقد، لكنني ايضا ارفض ان نعيش في حالة جلد دائم للوطن، وكأن مصر لم تقدم لنا شيئا، او كأننا نعيش في اسوأ بلد في العالم، او كأن كل ما يحدث حولنا لا يعنينا.
الانصاف يقتضي ان نعترف بالمشكلات، كما يقتضي ايضا ان نعترف بالنعم، وان نرى الصورة كاملة لا ان نختار منها الجزء الذي يناسب غضبنا فقط.
اثنا عشر عاما مرت، فيها ما اسعدنا وفيها ما اغضبنا، فيها قرارات اختلفنا معها، وفيها مشروعات رأينا اثرها، وفيها ازمات دفعت المواطن الى التحمل والصبر، وفيها مسؤولون يستحقون الشكر، وآخرون يستحقون الحساب، لكن وسط كل ذلك تبقى حقيقة لا يمكن تجاهلها: مصر ما زالت واقفة.
ومهما اختلفنا في تقييم السنوات الماضية، فان بقاء الدولة واستمرار مؤسساتها وامنها واستقرارها نعمة يجب الا نتعامل معها وكأنها امر عادي او مضمون الى الابد.
الحمد لله على نعمة مصر، والحمد لله على نعمة الامن والامان، والحمد لله على نعمة الجيش المصري الذي يحمي حدود الوطن، والحمد لله على مؤسسات الدولة التي تحفظ كيانها، والحمد لله ان ابناءنا يعيشون في وطن لم يتحول الى ساحة حرب، وان بيوتنا ما زالت مفتوحة، وشوارعنا عامرة، وان الدولة ما زالت قادرة على العمل رغم كل الضغوط والتحديات.
نعم، سنظل نطالب بالاصلاح، وسنظل ننتقد الخطأ، وسنظل نرفض الفساد، وسنظل نقول للمسؤول المقصر انك مقصر، وللفاسد انك يجب ان تحاسب، ولصاحب القرار ان المواطن يجب ان يكون في قلب اي قرار.
لكننا في الوقت نفسه لن نسمح لانفسنا ان نخلط بين الاشخاص والوطن، او بين الحكومة والدولة، او بين الغضب من ازمة وبين كراهية مصر.
الاختلاف مع اداء الحكومة ليس اختلافا مع الوطن، وانتقاد المسؤول ليس عداء للدولة، والمطالبة بالاصلاح ليست هداما لمصر.
نحن لا نريد دولة بلا اخطاء، فهذا امر غير واقعي، وانما نريد دولة تعترف باخطائها وتصلحها، وتحاسب الفاسد، وتنصف المواطن وتحمى امنها وتحافظ على مؤسساتها وتفتح ابواب الامل امام ابنائها.
نريد مصر قوية وآمنة وعادلة نريدها دولة يشعر فيها المواطن بالكرامة، ونريد ان يكون القادم افضل من الماضي. وهذا لا يتحقق بالتصفيق لكل شيء، ولا بالهجوم على كل شيء.








