وداعًا الفنان القدير “عبد العزيز مخيون”

تقرير هند محمد

فقد الفن المصرى والعربى أحد أعمدته ومواهبه التى لن تتكرر، واحد من جيل العمالقة، الذى ارتبط اسمه بالتألق والإبداع فى تقديم شخصيات أيقونية على شاشة السينما والدراما، الفنان الكبير عبدالعزيز مخيون .
رحل “مخيون” مؤسس “مسرح الفلاحين”، الفنان المثقف والواعى، صاحب المبادئ، الذى لم يلهث خلف الشهرة والنجومية وبريق الأضواء، متسلحا بموهبته فى محراب الفن والإبداع، فبدا زاهدا أنار أعمال كبار المخرجين والكتاب.
السيرة الذاتية
وُلد عبد العزيز مخيون فى مركز أبو حمص بمحافظة البحيرة، ونشأ فى بيئة ريفية تركت أثرًا واضحًا على تكوينه الإنسانى والفكرى.
ورغم شهرته الواسعة في القاهرة، ظل الفنان الراحل محتفظا بصلته الوثيقة بمحافظته البحيرة شمالي البلاد، وتحديدا مركز أبو حمص، حيث عاش سنواته الأخيرة.
وقد شارك مخيون فى عدد من الأنشطة الفكرية والسياسية، وكان من الأسماء المعروفة داخل حركة «كفاية» خلال سنوات نشاطها.
بداياته الفنية
بدأ عبد العزيز مخيون مشواره الفني في سبعينيات القرن الماضي، واستطاع منذ ظهوره الأول أن يحجز لنفسه مكانة مختلفة بفضل قدرته على تجسيد الشخصيات المركبة والهامشية على حد سواء، ليصبح “وجها ثابتا” في كثير من الأعمال البارزة، حتى لو لم يكن في صدارة الأفيش.
منذ سنواته الأولى، أبدى اهتمامًا كبيرًا بالفنون والآداب، الأمر الذى دفعه إلى البحث عن مسار فنى مختلف، ينطلق من الواقع المصرى ويعبر عن هموم الناس وقضاياهم.
فى بداية رحلته، أسس فرقة «مسرح الفلاح»، التى هدفت إلى تقديم عروض مسرحية مرتبطة بحياة البسطاء ومشكلاتهم اليومية، فى محاولة مبكرة لتوظيف الفن كوسيلة للتنوير والتغيير، وبعدها انتقل إلى القاهرة ليلتحق بالمعهد العالى للفنون المسرحية، حيث صقل موهبته بالدراسة الأكاديمية، واضعًا أولى خطواته الحقيقية نحو الاحتراف.
لم يكن شغف مخيون مقتصرًا على التمثيل فقط، فقد ارتبط بالموسيقى ارتباطًا وثيقًا منذ طفولته، وأتقن العزف على آلة الكمان، كما راودته لفترة أحلام احتراف الموسيقى السيمفونية والعمل قائدًا للأوركسترا، إلى جانب ذلك، خاض تجارب متعددة كمخرج مسرحى،.
ورغم تعدد اهتماماته، ظل المسرح هو شغفه الأكبر، ليقرر تكريس حياته للفن والتمثيل، مستفيدًا من دراسته الأكاديمية ورؤيته الثقافية الواسعة، وهو ما انعكس لاحقًا على اختياراته الفنية وطريقته الخاصة فى أداء الشخصيات.
وسعيًا لتطوير أدواته الفنية، سافر فى بعثات دراسية إلى عدد من الدول الأوروبية، حيث تلقى تدريبات متخصصة واطلع على أبرز المدارس المسرحية الحديثة فى فرنسا وإيطاليا.
أبرز الأعمال خلال مسيرته الفنية
على مدار أكثر من خمسة عقود، صنع الفنان الراحل عبد العزيز مخيون مسيرة فنية استثنائية، تنقل خلالها بين المسرح والسينما والدراما التليفزيونية، مقدمًا عشرات الشخصيات التى رسخت فى ذاكرة الجمهور وصنعت مكانته الخاصة بين كبار نجوم الفن المصرى.
أعماله في السينما
استطاع مخيون خلال مسيرته الفنية أن يفرض حضوره كأحد أبرز ممثلى جيله، وأن يترك بصمة واضحة فى السينما المصرية من خلال مشاركته فى عدد من الأعمال التى أصبحت جزءًا من ذاكرة الفن العربى.
فمنذ بداياته الفنية ارتبط اسمه بعدد من أهم مخرجى السينما المصرية والعربية منهم المخرج العالمى “يوسف شاهين”، المخرج “عاطف الطيب”، المخرج “على بدرخان”.
وكانت مشاركته في فيلم “الكرنك” عام 1975 من أبرز المحطات المبكرة في مشواره السينمائى يليها مشاركته فى ثلاثة أفلام مدرجة ضمن قائمة أفضل 100 فيلم فى تاريخ السينما المصرية، وهى “إسكندرية ليه” عام 1979 ، و”حدوتة مصرية” عام 1982، و”للحب قصة أخيرة” عام .
وتألقه المتميزفي تجسيد شخصية “جابر الجبالى” فى فيلم “الجوع”، حيث قدم شخصية الرجل الذى يتعرض للظلم على يد شقيقه الفتوة المتسلط.
وهناك شخصية ضابط الشرطة “سالم زيدان”، الصديق القديم للبطل المطارد في فيلم «الهروب» أمام الفنان أحمد زكى.
ورغم ظهوره كضيف شرف فى فيلم «دم الغزال» للكاتب وحيد حامد والمخرج محمد ياسين، فإنه يظل أحد الأداءات الأيقونية للراحل.
كما قدم أعمال آخرى مثل :”بئر الخيانة”، و”امرأة آيلة للسقوط”، و”حسن اللول”، و”فارس المدينة”، و”الحكم آخر الجلسة”، و”دكان شحاتة”، و”خارج على القانون”، و”الكنز”، وغيرها من الأعمال التي عكست قدراته الفنية الكبيرة وتنوع اختياراته.
أعماله في الدراما
يظل دور “طه السماحى” فى مسلسل “ليالى الحلمية” أحد أبرز الأدوار فى مشوار عبد العزيز مخيون الفنى، حيث قدم شخصية الشاب الوطنى المناهض للاحتلال الإنجليزى، الذى حمل أفكارًا ثورية وآمن بقضايا الحرية والاستقلال. واستطاع مخيون أن يجسد ببراعة حالة الوعى الوطنى التى ميزت الشخصية.
وفى الجزء الثانى من مسلسل «الشهد والدموع»، قدم مخيون شخصية «وحيد»، حيث ظهر بأداء هادئ وعميق عكس قدراته التمثيلية الكبيرة، وأسهم الدور فى ترسيخ حضوره لدى جمهور الدراما خلال تلك الفترة.
ومن بين الشخصيات التاريخية التى تألق فى تقديمها، جاءت شخصية موسيقار الأجيال “محمد عبد الوهاب” فى مسلسل “أم كلثوم”، ونجح مخيون فى تقديم صورة إنسانية وفنية متكاملة لعبد الوهاب.
وفى مسلسل “زيزينيا” بجزأيه الأول والثانى، قدم عبد العزيز مخيون واحدًا من أكثر أدواره نضجًا وتعقيدًا من خلال شخصية “عادل أبو ليلة”، وجاءت الشخصية محملة بأبعاد نفسية وفكرية متعددة، فى إطار درامى تناول المجتمع السكندرى متعدد الثقافات خلال أربعينيات القرن الماضى
كما تمكن عبد العزيز من خلال شخصية “ربيع الحلوانى” فى مسلسل “بدون ذكر أسماء” تقديم نموذج للأب المصرى البسيط الذى يعيش وسط تحولات اجتماعية وسياسية متسارعة، ليصبح أحد مفاتيح فهم التحولات التى شهدها المجتمع.
وفى السنوات الأخيرة من مشواره، استعاد حضوره لدى الأجيال الجديدة و لفت الأنظار من جديد عندما جسد شخصية محمد بديع، المرشد العام لجماعة الإخوان، فى مسلسل “الاختيار 3″، وأيضا شخصية حسن الهضيبى فى “الجماعة 2”.
وأدوار لافتة في مسلسلات ناجحة جماهيريا، منها “البرنس” و”جزيرة غمام” و”سوق الكانتو”، و”المعلم” مؤكدا قدرته على مواكبة تحولات السوق الدرامي دون أن يفقد ملامحه الخاصة.
ومن أكثر المفارقات تأثيرًا فى مسيرته، مشاركته فى مسلسلى “إفراج” و”سوا سوا” اللذين عُرضا ضمن موسم دراما رمضان 2026، حيث انتهت رحلة الشخصيات التى جسدها فى العملين بالوفاة ضمن السياق الدرامى، وبعد أشهر قليلة فقط، تحولت تلك النهايات الدرامية إلى واقع حزين برحيله.
أعمال لم يشاهدها عبد العزيز بعد رحيله
رحل مخيون قبل أن يشاهد أحدث أعماله الفنية التي انتهى من تصويرها أو شارك في بطولتها خلال الفترة الأخيرة، إذ ينتظر عرض فيلمين جديدين كان أحد أبطالهما، وهما “الغربان” مع عمرو سعد ومي عمر، و”الشيطان شاطر” مع أحمد عيد وزينة، والذى يتبقى على الانتهاء من أحداثه 3 أيام تصوير، والمقرر طرحهما خلال الفترة المقبلة بدور العرض السينمائي.
أبرز التكريمات
حصل الفنان الراحل عبد العزيز مخيون على عدة تكريمات بارزة خلال مسيرته الفنية الممتدة، تقديرًا لإسهاماته الكبيرة في السينما والمسرح والتلفزيون، ومن أبرزها:
- مهرجان أيام قرطاج السينمائية: تم تكريمه في الدورة الاستثنائية الحادية والثلاثين في تونس، واعتبر مخيون هذا التكريم من أقرب التكريمات لقلبه نظراً لعراقة وأصالة المهرجان.
- مهرجان المركز الكاثوليكي للسينما: منحه المهرجان في دورته التاسعة وستين جائزة “الريادة السينمائية”.
- مهرجان القاهرة الدولي للمونودراما: تم تكريمه في دورته الثامنة عن مجمل مسيرته الفنية الحافلة.
- مهرجان القاهرة السينمائي الدولى: حصل على تكريم من المهرجان .
الرحيل
توفي الفنان المصري عبدالعزيز مخيون، ، بعد تعرضه لوعكة صحية شديدة وكان قد نقل قبل أيام إلى أحد المستشفيات إثر إصابته بالتهاب رئوي حاد وضيق في التنفس، وخضع للعلاج والرعاية الطبية بعد تدهور حالته الصحية، قبل أن يعلن عن وفاته صباح يوم الأربعاء الموافق 10يونيو.
شيع جثمانه عصر الأربعاء وسط أسرته وأقاربه ومعارفه فى البحيرة، وتحديدا مسقط رأسه بـ “أبوحمص”، والتى عاش بها على مدى سنواته الأخيرة، إذ هجر العاصمة بصخبها وضجيجها، وحرص على وداع قريته حتى اللحظة الأخيرة وأن يكون فيها مثواه الأخير.
برحيل الفنان الكبير عبد العزيز مخيون، فقدت الساحة الفنية المصرية والعربية واحدًا من أبرز رموزها وأكثرها تأثيرًا على مدار ما يزيد على خمسة عقود من العطاء الفنى المتواصل، إذ رحل مخيون عن عمر ناهز 80 عامًا، بعد رحلة حافلة بالأعمال التى صنعت له مكانة خاصة فى وجدان الجمهور، وجعلته أحد أهم الممثلين الذين جمعوا بين الموهبة والثقافة والالتزام بقضايا المجتمع، ليحصد لقب الفنان العنيد الذى لا تهزمه ولا تثنيه مغريات الحياة الفنية.







