حوار مع الدكتور سيد يوسف

رؤى جوني
دكتوراه في النقد الأدبي، يعمل في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي

باحث لغوي هام، إضافة لكونه أديبا متميزا له دواوين ومسرحيات مطبوعة عديدة، حاصل على العديد من الجوائز التقديرية على منشوراته ومؤلفاته.
صدر له مؤخرا كتابان عن دار العميد للطباعة والنشر، شاركا في معرض القاهرة الدولي للكتاب أحدهما مسرحي بعنوان (الهرم مقطوع الرأس) والأخر (فك شفرة مخطوطة فوينتش) وقبل نشره حتى بدأ الكتاب الأخير يلقى اهتماما إعلاميا وبحثيا سواء عربيا وعالميا.
ومخطوطة فوينتش كتاب قديمً، مكتوب يدويا، صفحاته مزينة برسومات لنباتات غريبة، وخرائط فلكية؛ صفحاته مكتوبة بلغة وأبجدية مجهولة تمامًا تعود إلى أوائل القرن الخامس عشر)، محفوظة حاليًا في مكتبة الكتب النادرة والمخطوطات في جامعة ييل.
سُميت بهذا الاسم نسبةً إلى “ويلفريد فوينيتش”، تاجر الكتب البولندي الذي اشتراها عام 1912 وكشف عنها للعالم.
. منذ ذلك الحين، حاول فك شفرتها أفضل محللي الشفرات في العالم، وعلماء اللغة، والمؤرخون، وحتى برامج الذكاء الاصطناعي المتقدمة… والنتيجة دائمًا واحدة: الفشل التام.
لذلك كان لابد من محاورة د.يوسف للاستفاضة المعرفية عن هذا الكتاب تحديدا
ككاتب وشاعر صدرت لك العديد من الدواوين والأعمال، هل تجد تضاربا ما بين الأدب والبحث العلمي وأين تجد نفسك أكثر؟
بالجملة لا أجد تضاربًا بين المزاوجة بين احتراف العمل البحثي وممارسة نوع أو أكثر من أنواع الأدب، والنماذج عديدة في التاريخ والحاضر في بلادنا وبلاد العالم الأخرى….
كان د. مصطفى محمود طبيبًا وعالمًا وباحثًا وكان في الوقت نفسه أديبًا لا يُشق له غبار.. وفي الغرب مزج إليوت بين الإبداع والتنظير أما بالنسبة لي.. فأنا أعد نفسي باحثًا في علوم اللغة وآدابها في المقام الأول.. وأما الأدب فهو بالنسبة لي أقرب ما يكون إلى الهواية
في كل عام، تظهر نظريات جديدة وادعاءات بحل لغز المخطوطة، ولكن سرعان ما تتلاشى أمام التعقيد الهائل للمخطوطة، ما الذي يجعل من كتابك تجربة مختلفة؟
ليس من باب الغرور أو التفاخر.. أهم ما يميز طرحي بشأن مخطوطة فوينيتش أنه قابل للإثبات في كل صفحة من صفحات المخطوطة، عندي مدونة رموز كتابية كاملة مع دلالاتها الصوتية.. وعندي معجم يضم مئات الكلمات من كل صفحات المخطوطة.. وعندي ما هو أهم.. أنني حصلت على بعض الروافد العربية التي نقل عنها أو استعان بها مؤلف مخطوطة فوينيتش.
كيف خطرت لك فكرة القيام بالبحث لفك شيفرة فوينتش؟
الأمر أكاديمي بحت.. ويتصل بطبيعة الدراسة في كلية دار العلوم التي تُعنى بشدة بالأدب القديم في صوره المطبوعة والمخطوطة..
أما قصة فوينيتش كنت قد قرأت عن المخطوطة في بعض مواقع الإنترنت المعنية بنوادر الكتب والمخطوطات. ومن ثم قمت بتنزيل نسخة عالية الجودة منها من مكتبة الكتب والمخطوطات النادرة بجامعة ييل الأمريكية.. وبدأت العمل..
يعتقد الكثيرون أن النص مكتوب بلغة معروفة (مثل اللاتينية أو لغة أوروبية قديمة) مشفرة بطريقة معقدة جدًا، ما سبب كتابتها بهذه اللغة؟
فيما يتعلق بأنها مكتوبة بتشفير معقد هذا صحيح تمامًا، فهي مكتوبة بنظام ما يسمى المُعَمَّى أو التعمية، وهو من العلوم التي عرفها العرب وغيرهم.. ويقوم على إعطاء كل قيمة صوتية في اللغة المستخدمة رمزًا كتابيًا مختلفًا عن الرمز المألوف لها في هذه اللغة ومن ثم بناء أبجدية موازية تستخدم في الكتابة لأسباب مختلفة.
وأما كونها مكتوبة باللاتينية أو الرومانسية أو غير ذلك من اللغات الأوربية.. فقد أثبت في بحثي عدم دقة هذا الطرح..
وأما أسباب عدم القدرة على فك رموز المخطوطة لقرون، فقد كان هناك في رأيي سببان، أولهما: الربط الدائم بين الرسوم الموجودة في المخطوطة والنص المصاحب لها، والآخر: عدم امتلاك رصيد معرفي بموضوعها عند العلماء.
اللغة التي كتبت بها المخطوطة هي إحدى لهجات اللغة التركية القديمة.. وأما سبب كتابتها بهذا النظام التشفيري المعقد، فهو في رأيي الخوف من العقاب، حيث كان التنجيم في أوربا محرمًا في تلك الفترة.. وكانت عقوبته تصل أحيانًا إلى القتل…
ما الآلية العلمية المستخدمة في اكتشاف الشيفرة؟
استخدمت للتعامل مع المخطوطة ومحاولة قراءتها عدة آليات، أهمها:
● تنحية كل التصورات والأساطير السابقة المنسوجة حول المخطوطة جانبًا والبدء في التعامل معها مما يمكن تسميته الصفر المعرفي.
● الاستفادة من الدراسات السابقة وتجنب ما وقعت فيه من أخطاء.
● التركيز على النص بعيدًا عن الصور المصاحبة، إلا في قسم الفلك
● استخدام التباديل والتوافيق في نطق حرف ما بطريقة ما، وهي عملية معقدة يقوم بها الباحثون في مجال المخطوطات عند التباس حرف أو أكثر عليهم
● بناء مدونة رموز كتابية مع معادلاتها الصوتية بطريقة التيقن التجريبي،
● بناء معجم مفردات للمخطوطة
● ترجمة عبارات، ثم جمل، ثم فقرات كاملة من المخطوطة لإثبات صحة الطرح الصوتي والمعجمي.
ما هي أدوات البحث العلمي المستخدمة في هذا الكشف؟
المنهج العلمي المستخدم في التعامل مع المخطوطة هو منهج (برنامج الحد الأدنى)، وهو أحدث تطورات النظرية التوليدية التحويلية التي وضع أسسها العالم الجليل نوام تشومسكي في الخمسينيات، وهو الآن من أهم مناهج البحث اللغوي في العالم وأكثرها نجاحًا في التعامل مع النصوص اللغوية، ولا سيما المعقد منها.
ما فائدة هذا الاكتشاف؟ ممكن لحضرتك تقديم رؤوس أقلام عن محتوى المخطوطة؟
بالنسبة للفائدة فهي في رأيي إنهاء الجدل الدولي وحالة (الأسطرة) المنسوجة حول مخطوطة فوينيتش في العالم.. والوصول بعد كل هذا الوقت إلى صيغة نهائية مثبتة لفك شفرتها تقبلها الأوساط الأكاديمية المعنية، ومعرفة مضمون المخطوطة الذي كان سقف التوقعات بشأنه مرتفعًا إلى درجة الظن أنها تحتوي معارف علمية وتكنولوجية لا نملكها الآن، يمكن لمن يحصل عليها أن يحقق تفوقًا على غيره، وخصوصًا في باب: تحويل جسد الإنسان من حالة مادية إلى أخرى مع الاحتفاظ به (نفس أفكار الانتقال الآني والسفر عبر الزمن) أو معارف كيميائية وأدوية ومعلومات طبية تقدم علاجًا لأمراض نعجز عن علاجها، كل هذه التوقعات لا صلة لمخطوطة فوينيتش بها، حيث إن موضوعها ليس في أي من تلك العلوم كما أسلفت..
وأما محتوى المخطوطة فهو عن مواقع النجوم والأفلاك والبروج والمجموعات النجمية والكواكب وعلاقتها بمنازل القمر، وتأثرها بقوة الحروف الأبجدية بحسب قيمة كل حرف، وتأثير ذلك كله على حياة الإنسان وحركته وسلوكه، وما يؤدي إليه تداخل تلك الأجرام وعلاقاتها من وجود حالة من الحظ الحسن أو السيئ.
ما الخطوة اللاحقة لك بعد هذا الكشف عالميا؟
لقد اتخذت الخطوات اللازمة لحفظ حقوقي، سواء في مصر أو في الخارج في المجلات المحكمة أو مواقع البحث الدولية، والتواصل مع الجامعات.
وتم تشكيل فريق عمل لتحقيق نص المخطوطة بالكامل.. وهو فريق يضم أساتذة وباحثين متخصصين في الفلك والرياضيات والعلوم اللغوية وتحقيق المخطوطات واللغات الشرقية، ولا سيما اللغة التركية.. وغير ذلك من العلوم المساعدة.. للوصول خلال الشهور القليلة القادمة إلى صيغة مطبوعة بالكامل لمخطوطة فوينيتش باللغة العربية، ثم باللغات الأخرى إن شاء الله.. وبعد هذه المخطوطة لدينا مخطوطتان أو أكثر.









