
بعد عقود من بقائه في دائرة الخيال العلمي، يعود حلم «مصعد الفضاء» إلى الواجهة من جديد، مدفوعًا بالتطور في مواد تتميز بمزيج استثنائي من القوة وخفة الوزن، ما قد يفتح الباب أمام تطوير كابل عملاق يمتد من سطح الأرض إلى الفضاء.
ويأمل أنصار الفكرة في أن يؤدي نجاح هذا المشروع يومًا ما إلى تغيير جذري في طريقة الوصول إلى الفضاء، عبر تقليل الاعتماد على الصواريخ التقليدية وخفض تكلفة عمليات النقل بين الأرض والمدارات.
كيف يعمل مصعد الفضاء؟
تعتمد الفكرة على إنشاء كابل هائل يبدأ من نقطة قريبة من خط الاستواء ويمتد إلى ما بعد المدار الثابت بالنسبة للأرض، على ارتفاع يقارب 36 ألف كيلومتر.
وفي الطرف الخارجي للكابل، يتم وضع كتلة ضخمة تعمل على إبقائه مشدودًا بفضل قوة الطرد المركزي الناتجة عن دوران الأرض، بما يمنع سقوطه تحت تأثير الجاذبية.
وبدلًا من إطلاق المركبات بالصواريخ، يمكن لمركبات كهربائية الصعود على طول الكابل، أشبه بمصعد عملاق يمتد من الأرض إلى الفضاء، لنقل الأشخاص والبضائع بصورة متكررة.
ويقول بيت سوان، رئيس اتحاد المصعد الفضائي الدولي، إن استخدام الطاقة الكهربائية في عملية النقل يمكن أن يقلل التلوث المرتبط بعمليات الإطلاق، ويحد من مخاطر الحطام الناتج عن الصواريخ، مشيرًا إلى أن المصعد قد يتحول مستقبلًا إلى وسيلة نقل روتينية إلى الفضاء.
الغرافين.. المادة التي قد تحل أصعب مشكلة
كان أكبر عائق أمام فكرة المصعد الفضائي هو العثور على مادة تستطيع تحمل وزن الكابل نفسه والأحمال المعلقة عليه، مع الحفاظ في الوقت ذاته على خفة كافية تمنع انهياره.
وهنا يبرز الغرافين متعدد البلورات (Polycrystalline Graphene) باعتباره أحد المواد التي يراهن عليها الباحثون، بفضل خصائصه الميكانيكية المميزة وخفة وزنه.
ويرى سوان أن التطورات في هذا المجال قد تعني الاقتراب من العثور على مادة مناسبة لبناء الكابل، إلا أن تحويل هذه الخصائص المختبرية إلى كابل بطول عشرات آلاف الكيلومترات يظل تحديًا هندسيًا هائلًا.
كابل بطول 100 ألف كيلومتر
وفق التصور المطروح، قد يصل طول الكابل إلى نحو 100 ألف كيلومتر، أي ما يعادل قرابة 2.5 مرة محيط الأرض، بينما يبلغ عرضه نحو متر واحد، مع سمك بالغ النحافة.
ومن الأرض، قد يكون الكابل شبه غير مرئي، لكنه يمكن أن يعكس ضوء الشمس في بعض الظروف، ليظهر كخط مضيء رفيع في السماء.
أسبوعان للوصول إلى المدار
بحسب التصورات الخاصة بالمشروع، قد تستغرق الرحلة إلى المدار الثابت نحو أسبوعين، وبعد الوصول إلى ارتفاعات كبيرة يمكن الاستفادة من حركة دوران الأرض للمساعدة في نقل المركبات إلى وجهات أخرى.
وتشير التقديرات النظرية إلى إمكانية الوصول إلى القمر خلال نحو 14 ساعة، مقارنة بالرحلات الحالية التي تستغرق عدة أيام، بينما قد تستغرق الرحلة إلى المريخ ما بين 61 و120 يومًا بدلًا من عدة أشهر.
لكن هذه الأرقام تظل جزءًا من التصورات المستقبلية للمشروع، وليست جدولًا زمنيًا متاحًا حاليًا للسفر إلى القمر أو المريخ.
الحطام الفضائي.. أحد أخطر التحديات
لا يخلو المشروع من مخاطر ضخمة، وفي مقدمتها احتمال اصطدام الحطام الفضائي بالكابل، وهو ما قد يؤدي إلى إتلافه أو قطعه.
ولهذا تتضمن بعض التصورات إنشاء منطقة أمان واسعة حول المصعد لمنع الأقمار الصناعية من الاقتراب منه، إلى جانب أفكار تتعلق بوجود كابلات احتياطية يمكن استخدامها في حال تعرض الكابل الأساسي لأضرار.
هل أصبح مصعد الفضاء قريبًا من التنفيذ؟
رغم التطور في المواد المستخدمة في الأبحاث، فإن مصعد الفضاء لا يزال مشروعًا مستقبليًا ولم يتحول إلى تكنولوجيا جاهزة للبناء.
وتشير التقديرات المتداولة إلى أن تنفيذ المشروع، إذا أصبح ممكنًا تقنيًا واقتصاديًا، قد يحتاج إلى عقد أو عقدين من العمل، مع تكلفة قد تصل إلى نحو 15 مليار دولار وفق بعض التقديرات.
وفي المقابل، تتحدث التصورات المستقبلية عن قدرة المصعد على نقل ما يصل إلى 30 ألف طن من البضائع سنويًا إلى الفضاء، وهو رقم ضخم مقارنة بحجم ما تمكنت البشرية من إرساله إلى الفضاء منذ بداية عصر استكشافه.
وبينما لا يزال الطريق طويلًا، فإن التقدم في علوم المواد يعيد طرح سؤال ظل لعقود حبيس الخيال العلمي: هل يمكن أن يصبح الوصول إلى الفضاء يومًا ما مجرد رحلة بالمصعد؟








