
كشفت تقارير إعلامية أن مصر رفضت مقترحًا قدمته جماعة أنصار الله «الحوثيين»، وصل عبر غرفة الملاحة البحرية الدولية في لندن، للتنسيق مع هيئة قناة السويس بشأن تنظيم حركة الملاحة وتأمين السفن في مضيق باب المندب والبحر الأحمر.
وجاء الموقف المصري بعد تلقي غرفة الملاحة البحرية المصرية في الإسكندرية طلبًا من غرفة الملاحة في لندن، التي تمثل الاتحاد الدولي لمالكي ومشغلي السفن في نحو 40 دولة موزعة بين آسيا وإفريقيا وأوروبا والأمريكتين، بشأن رغبة الحوثيين في التوصل إلى اتفاق لوضع قواعد جديدة تتعلق بسلامة الملاحة وتأمين حركة السفن في منطقة باب المندب.
ويأتي هذا المقترح في ظل سيطرة الحوثيين على عدد من أهم الجزر والمدن المطلة على المضيق من الجانب اليمني، وهو ما دفع الجماعة إلى طرح نفسها باعتبارها سلطة الأمر الواقع في تلك المناطق.
رفض التواصل المباشر مع الحوثيين
وبحسب مصادر مصرية، قوبل طلب الحوثيين بالتواصل رسميًا مع الجهات المصرية برفض كامل من رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع، الذي شدد على عدم منح أي طرف غير معترف به دوليًا فرصة للحصول على اعتراف ضمني من خلال الرد على مراسلاته، حتى لو كان الرد في صورة اتصال هاتفي.
وأوضحت المصادر أن السلطات المصرية أحالت المقترح الحوثي إلى جهات أمنية للتعامل معه بعيدًا عن المؤسسات الرسمية للدولة، بما يتيح بحث سبل وقف الهجمات التي تستهدف السفن المارة عبر باب المندب، والعمل على استعادة حرية الملاحة وضمان سلامة أطقم السفن، بصرف النظر عن جنسياتهم.
ويستند الموقف المصري، وفق المعلومات الواردة، إلى اعتبار باب المندب منفذًا بحريًا دوليًا لا ينبغي أن يخضع لسلطة أي طرف أو أن يتحول إلى منطقة تفرض فيها جماعة مسلحة قواعد خاصة على حركة السفن.
القاهرة تتمسك بموقفها من الشرعية اليمنية
وتتولى جهات أمنية سيادية في مصر منذ فترة ملفات التواصل مع طرفي الصراع على السلطة في اليمن، بحسب المصادر، مع الحرص على عدم منح الحوثيين أي اعتراف رسمي بوجودهم كسلطة شرعية.
ويهدف هذا النهج إلى الحد من تأثير العمليات العسكرية على حركة السفن المصرية والملاحة الدولية في البحر الأحمر وقناة السويس، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الموقف السياسي المصري الذي يعترف بالحكومة اليمنية الشرعية بوصفها الجهة الرسمية في البلاد.
وتسعى القاهرة من خلال هذه الاتصالات إلى منع تحول التطورات العسكرية في اليمن إلى عامل يؤثر بصورة مستمرة على حركة التجارة الدولية أو يفرض واقعًا جديدًا على الممرات البحرية الاستراتيجية.
محاولة سابقة لتنظيم الملاحة في باب المندب
وأفاد مصدر في هيئة قناة السويس بأن الحوثيين سبق أن تقدموا بطلب إلى غرفة الملاحة البحرية في لندن، عقب سيطرتهم على مدن ساحلية يمنية العام الماضي، لعقد مؤتمر دولي يبحث تنظيم الملاحة في مضيق باب المندب.
وجاء الطلب، بحسب المصدر، خلال فترة تبادل الضربات الصاروخية بين الحوثيين وإسرائيل عام 2025، إلا أن الدول المشاركة في الغرفة الدولية رفضت المقترح، بسبب عدم اعتراف ممثليها بالحوثيين، إلى جانب رفض إشراك أي كيان سياسي غير معترف به من الأمم المتحدة في وضع قواعد دولية تتعلق بسلامة الملاحة.
وأثارت سيطرة الحوثيين على مناطق مطلة على باب المندب مخاوف من تأثير ذلك على قرارات شركات الملاحة والتأمين، خصوصًا فيما يتعلق بتغيير مسارات الرحلات البحرية ورفع مستويات المخاطر التي تواجه السفن والبحارة.
مخاوف من ترسيخ واقع جديد في باب المندب
وقال المصدر إن السلطات المصرية تعمل على منع ترسيخ واقع جديد تصبح فيه حركة الملاحة عبر باب المندب مقيدة تحت سلطة كيان غير معترف به دوليًا، باستثناء الدعم الذي يحصل عليه الحوثيون من إيران، مشيرًا إلى أن استمرار هذا الوضع من شأنه رفع تكلفة ومخاطر المرور عبر المضيق حتى في حال بقائه مفتوحًا أمام السفن.
ويثير هذا السيناريو مخاوف من تحول السيطرة الميدانية إلى نفوذ دائم على واحد من أهم الممرات البحرية التي تربط طرق التجارة والطاقة بين الشرق والغرب.
مخاطر متزايدة على حركة السفن
وفي تعليق على التطورات، قال خبير النقل وعضو مجلس إدارة غرفة الملاحة البحرية في الإسكندرية محمد شيرين النجار، إن وصول الحوثيين إلى مدخل مضيق باب المندب لا يعني بالضرورة إغلاقه بشكل فوري، لكنه يجعل المخاطر التي تواجه السفن وحركة الملاحة مستمرة حتى بعد انتهاء الحرب.
وأوضح أن شركات الملاحة لن تنتظر وقوع هجوم جديد على سفنها لاتخاذ إجراءات احترازية، مشيرًا إلى أن مجرد وجود قوة مسلحة على الجزر والمدن المحيطة بالمضيق يرفع مستويات المخاطر الأمنية.
وأضاف أن ارتفاع المخاطر قد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مسارات سفنها واللجوء إلى طريق رأس الرجاء الصالح، وهو مسار أطول وأكثر استهلاكًا للوقود، إلى جانب ما يترتب عليه من زيادة في أجور السفن وتكاليف التأمين.
ناقلات الغاز والنفط أمام مخاطر مضاعفة
وأوضح النجار أنه رغم إعلان الحوثيين عدم استهداف السفن التي تمر عبر باب المندب والبحر الأحمر إلا تلك التابعة للسعودية، فإن المؤشرات الحالية تكشف عن مستوى مرتفع من المخاطر التي تهدد حركة الملاحة في المنطقة.
وأشار إلى أن تصاعد العمليات العسكرية دفع شركات التأمين البحري ومالكي السفن إلى رفع مستوى الاستعداد ومراقبة تطورات الوضع خلال الأيام المقبلة.
وأكد أن الخطر الأول يتمثل في صعوبة إقدام شركات الشحن على إرسال سفنها المحملة بالبضائع وسط أجواء الحرب، لافتًا إلى أنه حتى في حال السماح باستمرار مرور السفن، فإن شركات النقل قد تتجنب المخاطرة بنقل الشحنات سريعة الاشتعال، وعلى رأسها الغاز والنفط ومشتقاتهما.
وأوضح أن السفن التي تحمل بضائع مرتفعة القيمة قد تكون الأكثر قدرة على تحمل الزيادات الكبيرة في تكاليف التأمين والشحن، وفقًا لمستويات الأسعار المرتفعة التي شهدتها الأسواق مؤخرًا.
هرمز وباب المندب نقطتا اختناق أمام الطاقة
وكشف النجار عن رصد شركات الشحن خلال الفترة الأخيرة زيادة في المخاطر التي تواجه ناقلات النفط والغاز المتجهة من منطقة الخليج إلى أوروبا والبحر المتوسط.
وأشار إلى أن هذه الناقلات أصبحت تواجه نقطتي اختناق رئيسيتين على مسار الرحلة، تتمثلان في مضيق هرمز ثم مضيق باب المندب، وهو ما يمكن أن ينعكس بصورة قوية على حركة المرور في البحر الأحمر وقناة السويس.
وأضاف أن ارتفاع أسعار الوقود والتأمين وأجور السفن سيؤدي تدريجيًا إلى انتقال جزء من هذه التكاليف إلى أسعار المنتجات وتكاليف النقل والصناعة، وهو ما قد ينعكس بدوره على مستويات الأسعار في الأسواق العالمية.
اتصالات مصرية لتأمين الملاحة
وأوضح النجار أن تحرك القاهرة لفتح قنوات اتصال عبر الأجهزة السيادية مع الحوثيين وإيران، إلى جانب الاتصالات الرسمية مع السعودية والولايات المتحدة، يستهدف تأمين حرية الملاحة في باب المندب ومنع تحول السيطرة الميدانية على مدخل البحر الأحمر إلى تهديد دائم لحركة السفن.
وأشار إلى أن الهدف يتمثل أيضًا في حماية تدفق السفن التي تصل في نهاية رحلاتها إلى قناة السويس، ومنع تحول أزمة الملاحة في المنطقة من مشكلة إقليمية إلى أزمة تطال شبكة النقل الدولية، ولا سيما خطوط الإمداد المرتبطة بأمن الطاقة.
الشتاء يرفع مخاطر أزمة الطاقة
وحذر النجار من تزايد خطورة العمليات العسكرية في باب المندب مع دخول فصل الشتاء، عندما ترتفع احتياجات أوروبا من الغاز والنفط القادمين من الخليج، واللذين تمر شحناتهما عبر باب المندب والبحر الأحمر.
وتوقع ارتفاع الطلب الأوروبي على شحنات الغاز، بالتزامن مع وجود قرار للاتحاد الأوروبي بوقف التعامل مع شركات الغاز الروسية بنهاية ديسمبر المقبل، وهو ما قد يزيد الضغط على سلاسل الإمداد والحاجة إلى مصادر طاقة مستقرة.
وأشار إلى أن المخاطر تتزايد في الوقت نفسه مع تعرض مصادر الطاقة للنيران في مناطق الإنتاج، بما في ذلك السعودية ودول الخليج، إضافة إلى التوترات المحيطة بمضيق هرمز وباب المندب، معتبرًا أن اجتماع هذه العوامل قد يمثل أزمة كبيرة للأسواق مع حلول الشتاء المقبل.
غياب البدائل الآمنة والرخيصة
وشدد النجار على عدم وجود بدائل آمنة ورخيصة يمكنها أن تحل بسهولة محل الطرق البحرية التقليدية لنقل الطاقة والبضائع بين الشرق والغرب، وفي مقدمتها قناة السويس.
وأوضح أنه في حال استمرار الاضطرابات في باب المندب ومضيق هرمز، فإن «الممر الهندي» المقترح ربطه بين جبل علي في الإمارات وإسرائيل عبر الجزيرة العربية لن يكون قادرًا على توفير احتياجات الدول من حركة التجارة أو ضمان تدفق النقل عبر الممرات الاستراتيجية.
وأضاف أن هذه الممرات تظل معرضة للاستهداف حتى في حال تأمينها من جانب إسرائيل أو الولايات المتحدة، مشيرًا إلى ما شهدته المنطقة خلال الأشهر الماضية من تطورات عسكرية.
السيسي يحذر من عسكرة البحر الأحمر
وتزامنت هذه التطورات مع تصريحات للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أمام قادة مجموعة «بريكس»، خلال الاجتماعات التي اختتمت الأحد في العاصمة الهندية نيودلهي.
وأكد السيسي أن مصر ترفض أي محاولات لعسكرة البحر الأحمر، مشددًا على أن التطورات الراهنة في الشرق الأوسط وما تتركه من آثار سلبية على الاقتصاد العالمي وحركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد تؤكد وجود «ترابط وثيق بين الأمن والتنمية».
وأوضح الرئيس المصري أن موقع مصر الاستراتيجي ودورها المحوري في حركة التجارة العالمية يجعلان الحفاظ على استقرار الملاحة الدولية وحرية حركة السفن أولوية، في ظل أهمية البحر الأحمر وقناة السويس بالنسبة إلى حركة التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.








