
محمد فيض خالد
أعترف بيني وبين نفسي أن كلامي هو المتنفس الوحيد، هو ردة فعل أُبوح بها لنفسي التي انغمست في أوحال الغربة، فعجزت عن اتخاذ أبسط قراراتها. منذ سنين طويلة توقفت عن الابتهاج لمقدم العيد، بعد أن فترت حماستي، وتلاشت همتي في محيط العزلة الخانق. أعتقد بأنني اعتدت هذه السلبية، وتلذذت بعذابات الابتعاد. في البداية كنت أشعر بالحرقة والمرارة، أحاول التملص، الصراخ، الاعتراض، ومقاومة الفقد، لكن بعد أن تقدمت السنوات، وجدتني أشد تبلدًا. مرّ العيد، ومن بعده أعياد، ولم تتغير طباعي، ولم أستطع كسر هذا الحاجز المرير؛ أدمنت هذا الشيء، وأصبحت لدي الاستطاعة على ممارسة حياتي من بعده وكأن شيئًا لم يكن. لقد تجلت لي الحقيقة، واهتديت للعلاج الناجع: أن أنام! نعم، النوم هو الحل الوحيد، لقد كان أفضل قرار اتخذته في حياتي، ليس لأنني أحتاجه كراحة، بل أحتاجه كمسكن لأوجاع نفسي.
في بدايات الغربة كنت أرى الحماس في عيون من حولي؛ التبكير للصلاة في المسجد، وتجهيز وجبة الإفطار بحرص، كطقس يمارسونه ضمن طقوس المعايدة برتابة. لكن الآن تغير كل شيء، فهم ليسوا أسعد حالًا مني؛ لقد سبقوني للعصيان، وأشهروا سلاح النوم بكل جرأة. وللحق، وإنصافًا للنوم المُفترى عليه، فقد تمنيت ألف مرة كسر الحصار، وإزاحة الجدار الفاصل، والعودة ثانيةً للحياة، للانطلاق ولبهجة العيد، كما كنت أفعل صغيراً. الآن وأنا أكتب هذه السطور، أشعر بعبير الطفولة العبق يتناثر من حولي؛ بعد هذا العمر وهذه السنوات الرتيبة في الغربة، ما زلت أشعر بتلك الرغبة الملحّة، تراودني عن نفسي، تغويني للعودة طفلاً، ولكنني لا أقدر. أتملص في كبرياء، وكأنني تطهرت من كل خاطرة تدور برأسي؛ حاولت في إحدى المرات إزاحة الستار لكني تراجعت.
تمر ساعات العيد سريعة وكأنها ومضات. من قبل كنت أتوجع، لكني تجاوزت هذا الألم بالعادة، وكنوع من التسلية أطلق لأطياف الماضي الزمام؛ أن تطوف من حولي، أتلَهَّى بها، أستشعر السعادة التي غمرتني في أعوام مضت قضيتها في صحبة الأهل. أعترف بأن هذه المرة ليست كبقية المرات؛ ربما حالة الحرب وساحة القتال المنصوبة من حولنا قَدَرٌ، والمصير المجهول الذي ينتظرنا، وكلمات الشهادة التي أرددها أكثر من مرة مغمض العينين قبل النوم… فربما يصادف الحظ قذيفة مجنونة تنسف البيت رأسًا على عقب. ألعن في سري الحرب والمتحاربين، ولكنني أكره الخوض في تفاصيلها المشؤومة؛ لا أحب مشاهدة الدماء ولا الخراب.
أعترف بأن سلوكي قد تبدل في الآونة الأخيرة؛ الصلاة في المسجد بانتظام، التسبيح والاستغفار، جلسات القراءة والكتابة، والتواصل قدر الإمكان مع دائرة الأصدقاء الضيقة، هل هو الخوف من الموت؟ لا أدري، وما حسبته لقيته، ما إن انقضت ساعات العيد، حتى تواردت رسائل أبنائي حزينة تحمل الشكوى، يرمونني بعيون مؤنبة، أعترف بأن هذه من أمرّ لحظات حياتي وأقساها، عدت أسبّ الحرب جهرًا، وألعن المتحاربين، جاءت أصوات المهنئين والاطمئنان على صحتي فاترة، لم تتغير مثل بقية الأعياد. أخشى أن يجيء اليوم الذي تتبلد فيه مشاعري تمامًا، أفقد الشَّغف والقدرة على مجاراة الحياة، فأقضي نحبي في عزلتي التي صنعها القدر، واستسلمت لها طوعًا حتى تمكّنت مني.








