
بقلم: دكتور / جميل جورجى
gamil.gorgy@gmail.com
منذ نشأة العالم لم يكن هناك سوى “هابيل” وأخيه “قابيل”ولم تسعهما الأرض بعدما تملكت الأخير نزعة الشر و”الغيرة ” فقام بذبح أخيه “هابيل”وفر هارباً وكانت تلك هى أول جريمة قتل فى العالم بفعل غواية إبليس الذى لايزال هو المحرك للإنسانية وسبب شقائها.. تلك هى البداية التى مازالت تعمل فى الإنسان حتى يومنا هذا فيما نراه حولنا من جور وظلم ونزعة السيطرة التى تبدو بوضوح فى “منطقة الشرق الأوسط” التى تتبارى القوى الكبرى فى السير عليها وهو ما رأيناه بوضوح فيما حدث فى “غزة” من “إبادة جماعية” على يد جزار غزة المخادع “نتنياهو”.. لقد وقعت أول “حرب بيولوجية”متعمدة باستخدام “البطانيات” فى يونيو 1763 خلال تمرد “بونتياك” فى “فورتن بيت” (بيتسبرج حالياً) على يد “سيمون إيكوبير” بموافقة السير “جيفرى أمهرست” من خلال “بطانيات” ومناديل سبق استخدامها فى مسنشفى الجدرى لنشر المرض بين قبائل السكان الأصليين الهنود .. وعلى الرغم من أن هذه هى أول “حرب بيولوجية” من خلال “البطانيات” و”المناديل” إلا أنه قد سبقها محاولات أخرى “للحرب البيولوجية” استخدمت فيها جثث الموتى لنشر الطاعون الذى تفشى بشكل كبير بين السكان الأصليين فى “أوهايو” فى الفترة من 1763-1764.. فى مقال “باتريك كيجر” بعنوان “هل أعطى المستعمرون “بطانيات ملوثة” للأمريكيين كحرب بيولوجية ؟” صرح قائلاً لطالما كانت حرب المستعمرين فى أمريكا الشمالية ضد السكان الأصليين تتسم بالوحشية على نحو مروع بيد أن إحدى الطرق التى استخدموها ربما لمرة واحدة فقط إلا أنها قد فاقت كل المذابح الدموية بإهداء البطانيات والبيضات الملوثة بالجدرى.. ويؤكد “كيجر” على أن العقيد”هنرى بوكيه” أخبر رئيسه “أمهرست” بتفشى “الجدرى” داخل “حصن بيت” الذى رد بدم بارد قائلاً إنه يرى فرصة فى تفشىى المرص ألا يمكن تدبير إرسال الجدرى إلى تلك القبائل الهندية الساخطة ؟ إذ يجب علينا أن نستخدم كل ما فى وسعنا للحد منهم.. واستطرد “كيجر” قائلاً جاء رد “بوكيه” الذى كان مسافراً آنذاك عبر “بنسلفانيا”مع التعزيزات البريطانية المتجهة إلى”فورد بيت” واعداً إياه بأنه سيحاول نشر المرض بين الأمريكيين الأصليين عبر “البطانيات الملوثة” مع الحرص على عدم الإصابة بالمرض .. ويؤكد “كيجر” قائلاً على مايبدو أن هذا التكتيك قد أسعد “أمهرست” الذى كتب له رسالة بالموافقة وحثه على نشر الجدرى وكذلك تجربة كل طريقة أخرى يمكن أن تسهم فى استئصال هذا العرق البغيض ( الهنود).. ويرى”كيجر” أنه ليس من الواضح تماماً من ارتكب هذه “الحرب البيولوجية” إلا أن كافة الأدلة الوثائقية تشير إلى “ترينت” باعتباره الجانى، حيث قدم فاتورة إلى الجيش البريطانى لشراء بطانيات ومناديل لاستبدال تلك التى أخذت من الأشخاص فى مستشفى الجدرى إلى الهنود وقد وافق الجنرال البريطانى “توماس جيج” الذى خلف “أمهرست” على الدفع.. ويؤكد المؤرخ “بول كيلتون” بجامعة “ستونى بروك” وصاحب مؤلفين عن دور الأوبئة فى الاستيلاء الأوروبى على الأمريكتين على أن هذه هى الحالة الوحيدة الموثقة على حد تعبيره إذ من غير المعروف ما إذا كان “بوكيه” قد تابع بالفعل رسالة “أمهرست”وقام بمحاولات من تلقاء نفسه لنشر المرض .. على الجانب الآخر حاول المؤرخ “فيليب رانليت” من “كلية هانتر” من خلال مقال تم نشره فى عام 2000 عن الجدرى “بمجلة تاريخ بنسلفانيا” قائلاً لا يوجد لدينا دليل على نجاح الخطة إذ يبدو أن العدوى الموجودة على البطانيات قديمة لذلك لم يكن بإمكان أحد أن يلتقط العدوى عبر “البطانيات” إلى جانب أن “الهنود” كانوا مصابين بالجدرى ومن ثم فإن الجدرى الذى إنتقل إلى “حصن بيت” جاء من الهنود أنفسهم.. وقد حذر “كيلتون” من التركيز كثيراً على حادثة “بطانية الجدرى” كوثيقة للهجوم على الأمريكيين الأصليين مهما كان قاسياً ووحشياً فهو لايعدو أن يكون سوى مجرد جزء صغير من قصة أكبر عن الوحشية فى القرنين السابع عشر والثامن عشر ..فى مقال “كوليت فلايت” بعنوان “السلاح الصامت والحرب البيولوجية” فى 2011 صرح قائلاً كشف منشق سوفيتى للاستخبارات الغربية على أنه أشرف على برنامج خارجى غير قانونى لتطوير الجدرى “كسلاح بيولوجى” فعال للغاية وقد صدمت كل من “بريطانيا” والولايات المتحدة” من هذا الكشف .. بيد أن “فلايت” أكد من خلال نظرة فاحصة لتاريخ “الأسلحة البيولوجية” وإن كان ذلك أمرغريب من الناحية الأخلاقية إلا أنه من خلال هذه النظرة الفاحصة على تاريخ “الأسلحة البيولوجية” تؤكد أن كل من بريطانيا وأمريكا قد لعبا دوراً فى تحويل الأمراض الفتاكة إلى أسلحة حرب وكانت بريطانيا أول دولة تتوصل إلى فكرة استخدام الجدرى كسلاح فتاك ضد خصومها .. ويؤكد”فلايت” على أن استخدام الجدرى كسلاح خلال “حرب الاستقلال الأمريكية” خلال شتاء 1776-1775 فى تحرير “كيبك” من بريطانيا بعد الاستيلاء على “مونتريال” كما لو أنهم لم ينجحون بيد أن التقارير قد أفادت بأن قائد الحصن البريطانى قام بتحصين المدنيين ضد المرض ثم تعمد إرسالهم لإصابة القوات الأمريكية .. ويؤكد “فلايت” على أن العلماء البريطانيون والأمريكيون خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها استخدموا الجدرى”كسلاح بيولوجى” ونظراً لوجود لقاح لم يشعروا أبداً بأنه سلاح فعال على نحو خاص.. واستطرد “فلايت” قائلاً أوقف الرئيس “نيكسون” رسمياً برنامج “الأسلحة البيولوجية” الهجومية الأمريكية خضوعاً لضغوط الرأى العام الأمريكى الذى استنكر استخدام الأسلحة الكيمائية خلال حرب فيتنام .. فى مقال “كين ألبيك” بعنوان “المعالجون والساخرون” صرح قائلاً هناك تناقضات فى معلومات جهاز الاستخبارات السوفيتية (كى جى بى) وبدأ يشكك فيها فى ديسمبر 1991 فى مقابل عمليات تفتيش أمريكية بريطانية لعدد من المختبرات السوفيتية وعين فريق من المسؤولين السوفيت لتفتيش أربعة مرافق أمريكية وحدث التحول عندما رأيت “مرافق الحرب البيولوجية”مهجورة تماماً وغير نشطة مما أصابنى بالصدمة .. ويعتقد”كين ألبيك” أنه فى أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتى فى 1991 قام العلماء العاطلون عن العمل أو ذوى الأجور المتدنية ببيع عينات من الجدرى سراً وذهبوا للعمل فى دول متورطة فى تطوير “الأسلحة البيولوجية” بطرق غير مشروعة .. ويصادق “جى أيه هندرسون” على هذا السيناريو المحتمل وإن كان مستاء من الإرث الذى يتركه لولا لم يحدث برنامج “الأسلحة البيولوجية” الروسى ولما كنا قلقين بشأن الجدرى ويمكن للمرء أن يشعر بغضب شديد حيال هذا الأمر لأنهم عرضوا العالم بأسره لخطر لم يكن ضرورياً على الإطلاق.
