كبسولة حنان

حنان شلبي
في تطور دراماتيكي يعيد المنطقة إلى حالة استنفار قصوى، يشهد الملف النووي الإيراني تصعيدًا هو الأخطر منذ أشهر. تتجه الأمور بسرعة نحو منعطف حاسم، إذ يبدو أن الوقت المتبقي للحلول الدبلوماسية بات معدودًا، مع تزامن تهديدات أمريكية غير مسبوقة بحراك عسكري مكثف في المنطقة.
الإنذار الأخير: شهر واحد فقط
على طاولة الحوار، يبدو أن الصبر الأمريكي بدأ ينفد. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في رسالة واضحة وحاسمة، أمهل إيران شهرًا واحدًا فقط للقبول باتفاق جديد. هذا الاتفاق، من وجهة النظر الأمريكية، لا يجب أن يقتصر على تجميد التخصيب كما في السابق، بل يجب أن يتوسع ليشمل تفكيك أجزاء من برنامجها الصاروخي ووقف أنشطتها الإقليمية التي تعتبرها واشنطن مزعزعة للاستقرار.
هذا الموقف المتشدد قوبل ببرود دبلوماسي إيراني معهود، حيث تصر طهران على أن برنامجها الصاروخي “حق أصيل” لا يقبل المساومة، وأن نفوذها الإقليمي “خط أحمر”. هذا الجمود في المباحثات التي تتوسط بها عُمان دفع المراقبين للاعتقاد بأن طهران تتبع سياسة “كسب الوقت” أملاً في تغيير المعادلات الدولية أو تفكيك الإجماع الغربي ضدها.
تحت الطاولة: الاستعداد للحرب
بينما تتصدر التصريحات النارية المشهد السياسي، فإن ما يحدث تحت الطاولة يبدو أكثر خطورة. تقارير من وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) تشير إلى أن الجيش الأمريكي لا يضع السيناريوهات النظرية فحسب، بل يستعد فعليًا لخيار الحرب.
يتحدث المسؤولون عن “تعزيزات عسكرية” هي الأكبر من نوعها، حيث يتم نشر قوات إضافية وقطع بحرية متطورة، تشمل حاملات طائرات وغواصات قادرة على إطلاق صواريخ كروز، في إشارة واضحة إلى أن الخيار العسكري أصبح مطروحًا بقوة على الطاولة. هذا الحشد غير المسبوق يهدف إلى توجيه رسالة ردع لإيران بأن البديل العسكري جاهز للتنفيذ في حال فشل الخيار الدبلوماسي.
ذكرى “Midnight Hammer” تثير الرعب
ما يجعل التهديدات الأمريكية هذه المرة أكثر إقناعًا وجدية هو الاستناد إلى سابقة حدثت قبل أشهر فقط. الرئيس ترامب نفسه استذكر العملية العسكرية الواسعة التي نفذتها الولايات المتحدة بالتعاون مع إسرائيل في يوليو الماضي (عملية “Midnight Hammer”)، والتي استهدفت بعمق المنشآت النووية الإيرانية.
تلك العملية، التي استمرت 12 يومًا، أحدثت دمارًا كبيرًا في قدرات إيران وأظهرت هشاشة دفاعاتها أمام التحالف الغربي الإسرائيلي. استحضار هذه الذكرى الآن هو بمثابة تذكير لإيران بأن الضربات السابقة قد تكون مجرد بروفة لسيناريو أوسع وأكثر تدميرًا.
المفارقة الإيرانية: ترسانة مضاعفة رغم الضربات
في المقابل، يبدو المشهد الإيراني متناقضًا. فبينما تتحدث التقارير الغربية عن إعادة بناء مكثفة للقدرات العسكرية الإيرانية (حيث تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن إيران تمتلك الآن ضعف الترسانة الصاروخية التي كانت تمتلكها قبل حرب يوليو)، إلا أن الخيارات السياسية تبدو ضيقة للغاية.
الرهان الإيراني على أن الانقسامات الدولية أو الانشغال الأمريكي بملفات أخرى (مثل أوكرانيا والصين) سيمنع واشنطن من المغامرة في حرب جديدة، قد يكونرهانًا خاسرًا هذه المرة. فالإدارة الأمريكية تبدو مصممة على إنهاء هذا الملف بشكل نهائي، سواء عبر صفقة شاملة أو عبر عملية عسكرية تطيح بالمنشآت النووية نهائيًا.
الخلاصة: المنطقة على صفيح ساخن
الملف الإيراني دخل نفقًا مظلمًا، والخيارات المتاحة تضيق يومًا بعد يوم. إما أن تتراجع إيران عن موقفها المتشدد وتقبل بمفاوضات موسعة خلال المهلة المحددة، أو أن المنطقة ستشهد مواجهة عسكرية واسعة النطاق قد تكون الأعنف منذ عقود.
في كلتا الحالتين، الأيام القليلة القادمة حاسمة. إنها لحظة حقيقة للدبلوماسية، وإذا فشلت، فإن صوت الرعد في سماء الخليج قد لا يكون مجرد تهديد، بل بداية فصل جديد ومأساوي في صراع طال أمده.








