
دكتورة : مريم حنا اسحق حنا
تُعد محافظة المنيا واحدة من أعمدة الزراعة في صعيد مصر، بما تمتلكه من مساحات واسعة من الأراضي الخصبة الممتدة على جانبي النيل، وتنوع كبير في المحاصيل الزراعية الاستراتيجية. فالمنيا ليست مجرد محافظة زراعية تقليدية، بل تمثل مخزونًا اقتصاديًا ضخمًا يمكن – إذا أُحسن استغلاله – أن يتحول إلى قاطرة تنمية حقيقية للاقتصاد المحلي والقومي. القمح، الذرة، البنجر، البصل، الثوم، البقوليات، إضافة إلى النباتات الطبية والعطرية، كلها محاصيل تضع المنيا في موقع متقدم، ليس فقط على مستوى الإنتاج، ولكن من حيث الإمكانات المستقبلية.
غير أن الزراعة وحدها، في صورتها الخام، لم تعد كافية لبناء اقتصاد قوي أو خلق فرص عمل مستدامة. هنا يبرز دور التصنيع الزراعي كخطوة حتمية لا غنى عنها. التصنيع الزراعي هو الحلقة المفقودة بين الحقل والسوق، وهو الوسيلة الحقيقية لزيادة القيمة المضافة للمحصول، وتقليل الفاقد، وفتح مجالات واسعة للتشغيل، وتحقيق عائد اقتصادي عادل للمزارع والمستثمر والدولة. الدول التي نجحت زراعيًا لم تفعل ذلك بالإنتاج فقط، بل بتحويل الإنتاج إلى صناعة قائمة على التخطيط والعلم والإدارة الرشيدة.
المنيا تمتلك كل مقومات هذا التحول: خامات زراعية متوفرة، أيدٍ عاملة، موقع جغرافي متميز، وقرب نسبي من موانئ وأسواق داخلية. ومع ذلك، فإن التصنيع الزراعي في المحافظة ما زال يتحرك ببطء شديد، ليس بسبب نقص الإمكانيات، ولكن بسبب منظومة إدارية معقدة، وإجراءات متشابكة، تحولت من أدوات تنظيم إلى وسائل تعطيل. تخليص أوراق الاتجار أو إنشاء مشروع تصنيع زراعي أصبح رحلة شاقة، مليئة بالتعقيدات غير المبررة، حيث تتداخل الاختصاصات، وتتكرر الطلبات، ويضيع الوقت بلا مبرر واضح.
الأخطر من ذلك أن هذه الإجراءات لم تعد معقدة فقط، بل باتت في كثير من الأحيان خاضعة لأهواء بعض الموظفين، الذين تحولت لديهم السلطة الإدارية إلى وسيلة للضغط والابتزاز غير المباشر. من يدفع تسير أموره، ومن يرفض هذا المسار يُعاقَب بالتعطيل. هذه ليست تنمية، بل بيئة طاردة للاستثمار، تقتل أي محاولة جادة لبناء مشروع نظيف وقانوني، وتُشجع على الفساد بدلًا من محاربته.
وعندما ننتقل إلى المشهد الإداري في محافظة المنيا، تتضح الصورة بشكل أكثر قتامة. هناك دائرة مغلقة، أو ما يمكن تسميته بـ”الشِّلة” المحيطة بالمحافظ، تتحكم فعليًا في مفاصل التواصل معه. مدير مكتبه ومسؤولة خدمة المواطنين يمثلان بوابة العبور الوحيدة، ومن خلالهما يُحدد من يستحق اللقاء ومن يُستبعد. المعايير هنا ليست دائمًا المصلحة العامة أو جدية الملف، بل المجاملات، والمعارف، وأصحاب النفوذ.
المحافظ يتحدث في مناسبات عديدة عن “الباب المفتوح” والقرب من المواطنين، لكن الواقع على الأرض يُكذب هذا الخطاب. الباب ليس مفتوحًا كما يُقال، بل مُغلق بطبقات إدارية تحجب الرؤية، وتمنع الوصول، وتجعل المحافظ نفسه معزولًا عن مشكلات حقيقية ومشروعات جادة. المواطن الذي لا يملك واسطة أو لا ينتمي إلى دائرة المصالح، يجد نفسه خارج الحسابات تمامًا، مهما كانت قضيته مشروعة أو مفيدة للمحافظة.
أنا واحدة من مواطني هذه المحافظة، لي مصلحة واضحة ومشروع حقيقي يخدم الزراعة والتصنيع الزراعي، وحاولت لأكثر من عام مقابلة المحافظ دون جدوى. لم يكن طلبي شخصيًا، ولا بحثًا عن ميزة خاصة، بل محاولة لعرض ملف يخدم التنمية ويوفر فرص عمل. ومع ذلك، اصطدمت بجدار إداري صلب، لا يسمع ولا يرى إلا من يريد.
الأمر لا يتوقف عند ديوان المحافظة فقط، بل يمتد إلى مديرية الزراعة ومديري الإدارات الزراعية، حيث تسود نفس العقلية القديمة، البعيدة عن التطوير، وغير المؤهلة للتعامل مع متطلبات مرحلة تحتاج إلى سرعة وشفافية وتشجيع للاستثمار. استمرار هذه القيادات دون مراجعة حقيقية يعني ببساطة أن المنيا ستظل تدور في حلقة مفرغة، وتفقد فرصًا حقيقية للنمو.
ما تحتاجه محافظة المنيا اليوم ليس مؤتمرات أو تصريحات، بل مراجعة شاملة من أعلى مستوى في الدولة. مراجعة حقيقية للقيادات، ولآليات العمل، ولمنظومة اتخاذ القرار. لأن الزراعة والتصنيع الزراعي يمكن أن يكونا طوق نجاة اقتصادي للمحافظة، لكن في ظل هذا الوضع الإداري المغلق، فإن المنيا لا تتقدم، بل تعود خطوة إلى الوراء، وتدفع ثمن ذلك من مستقبل أبنائها.
