
بقلم :شحاته زكريا
ما يحدث اليوم في المواجهة الجارية ضد إيران لا يمكن اختزاله في كونه جولة عسكرية جديدة ضمن سلسلة صراعات الشرق الأوسط الممتدة. نحن أمام لحظة مفصلية تتجاوز فكرة الضربات المتبادلة أو إعادة تثبيت قواعد الردع التقليدية. فالمشهد الحالي يعكس تحولا في طبيعة الأهداف واتساعًا في نطاق الرهانات وتشابكا بين المحلي والإقليمي والدولي على نحو يجعل من هذه الحرب حدثا كاشفا لتحولات أعمق في بنية النظام الإقليمي وربما الدولي أيضا.
الضربات التي استهدفت بنية النظام الإيراني سواء على المستوى العسكري أو القيادي تحمل في طياتها فرضية واضحة مفادها أن الضغط المكثف قد يؤدي إلى إضعاف قدرة النظام على التماسك ويفتح المجال أمام تغيير سياسي واسع. غير أن هذه الفرضية تتجاهل طبيعة الدولة الإيرانية ذاتها. فالنظام في طهران لم يُبن على شخص أو دائرة ضيقة فقط بل على شبكة مؤسسات عقائدية وأمنية واقتصادية متداخلة تشكلت على مدى أكثر من أربعة عقود. هذه البنية لا تنهار بسهولة بمجرد استهداف قمتها بل قد تميل في لحظات التهديد الخارجي إلى إعادة إنتاج تماسك داخلي مؤقت تحت عنوان الدفاع عن السيادة الوطنية .. التجارب القريبة في الإقليم تقدم دروسا واضحة حول حدود القوة العسكرية في هندسة التحولات السياسية. إسقاط رأس النظام لا يعني بالضرورة بناء بديل مستقر بل قد يفتح الباب أمام فراغات خطرة وصراعات داخلية وربما صعود تيارات أكثر تشددا. ومن ثم فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بإمكانية إضعاف النظام القائم بل بقدرة أي مسار لاحق على إنتاج معادلة حكم قابلة للحياة داخليا ومتوازنة خارجيا. فالتغيير السياسي إن حدث سيكون نتاج تفاعلات اجتماعية واقتصادية ونخبوية معقدة وليس نتيجة مباشرة للقصف أو العمليات العسكرية.
على المستوى الإقليمي لا يبدو أن المشهد قابل للاختزال في فكرة إزاحة لاعب واستبداله بآخر . الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة شهد تحولات لافتة في علاقات قواه الرئيسية حيث ظهرت مسارات تهدئة وتسويات جزئية أعادت رسم خطوط التماس التقليدية. حتى في حال تراجع الدور الإيراني فإن الإقليم لم يعد ساحة تنتظر من يملأ الفراغ بل بات فضاء تتقاطع فيه مصالح متعددة وتسعى دوله إلى تنويع تحالفاتها وتخفيف حدة الاستقطاب. لذلك فإن الرهان على هيمنة أحادية أو إعادة تشكيل النظام الإقليمي وفق رؤية طرف واحد يبدو رهانا محفوفا بالتعقيد.
كما أن هذه الحرب ستعيد طرح سؤال جوهري حول مفهوم الأمن في المنطقة. هل الأمن يبنى عبر الإقصاء الكامل لطرف إقليمي أم عبر إدارة توازنات دقيقة تضمن عدم انزلاق الجميع إلى صراع دائم؟ التجارب أثبتت أن معادلات الإقصاء الكامل غالبا ما تخلق دورات جديدة من العنف بينما تتيح التوازنات المدروسة مساحات لاحتواء التوتر. ومن المرجح أن تدفع التطورات الحالية دول الإقليم إلى مراجعة أعمق لاستراتيجياتها الدفاعية وحدود اعتمادها على التحالفات الخارجية وأهمية بناء قدرات ذاتية أكثر استقلالا.
في السياق الدولي لا يمكن فصل ما يجري عن المنافسة الأوسع بين القوى الكبرى. إيران خلال السنوات الماضية لم تكن مجرد فاعل إقليمي بل شكلت نقطة ارتكاز في حسابات الطاقة والتجارة ضمن شبكة علاقات ممتدة نحو آسيا. أي تغيير جذري في طبيعة النظام الإيراني سينعكس حتما على هذه الشبكات وعلى رأسها علاقاته الاقتصادية مع الصين. النفط في هذا السياق ليس مجرد مورد اقتصادي بل أداة نفوذ جيوسياسي. ومن ثم فإن الحرب تحمل بعدا يتجاوز حدود الإقليم ليطال معادلات الصراع على طرق الطاقة وموازين النفوذ العالمي .. أما الولايات المتحدة فإن انخراطها المباشر بهذا المستوى يطرح تساؤلات حول حدود القوة الأمريكية في مرحلة تتسم بتحديات داخلية واستقطاب سياسي حاد. القدرة على بدء حرب تختلف عن القدرة على إدارة تداعياتها طويلة المدى. فكلما اتسع نطاق المواجهة زادت احتمالات الانجرار إلى التزامات أمنية وسياسية معقدة خاصة إذا تحولت الحرب إلى حالة استنزاف ممتدة بدلا من حسم سريع. وهنا يبرز سؤال المصداقية الدولية: هل تستطيع واشنطن تحقيق أهدافها دون أن تتحمل كلفة استراتيجية تفوق المكاسب المتوقعة؟
من جهة أخرى فإن الاقتصاد العالمي يراقب بقلق صامت. أي اضطراب مستدام في الخليج أو تهديد للممرات البحرية الحيوية ينعكس فورا على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد. العالم لم يخرج بعد من آثار أزمات متتالية وأي صدمة جديدة قد تعمق هشاشة التعافي. لكن الأخطر من تقلب الأسعار هو اتساع مساحة عدم اليقين. فالأسواق تستطيع التكيف مع أزمات محدودة زمنياً، لكنها ترتبك أمام صراعات مفتوحة بلا أفق سياسي واضح .. السيناريو الأكثر تعقيدًا ليس انتصارا حاسما لطرف على آخر بل بقاء الوضع في حالة اشتباك منخفض الحدة ممتد عبر ساحات متعددة. حرب لا تنتهي بتسوية شاملة ولا تؤدي إلى تغيير جذري بل تتحول إلى نمط دائم من الضربات المتبادلة والرسائل العسكرية. في مثل هذا السيناريو يتآكل الجميع تدريجيًا: الاقتصاد الإيراني تحت ضغط العقوبات والدمار صورة الردع لدى خصومه ومصداقية القوى الكبرى التي تعجز عن فرض مسار سياسي مستقر ..وربما تكمن أهمية اللحظة الراهنة في أنها تعيد تعريف مفاهيم كانت تبدو راسخة. الردع في عصر الطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية لم يعد كما كان في زمن الحروب التقليدية. السيادة لم تعد محصنة بالحدود الجغرافية وحدها. والتحالفات لم تعد ثابتة بالقدر الذي كانت عليه في العقود الماضية. كل هذه المفاهيم تخضع اليوم لاختبار عملي قاسٍ في ساحة مشتعلة .. في النهاية قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كان النظام الإيراني سيسقط أم سيبقى، بل ما إذا كان الإقليم والعالم سيتجهان نحو نموذج أكثر استقرارًا أم نحو مرحلة طويلة من السيولة الاستراتيجية. فالحروب لا تقاس فقط بنتائجها العسكرية المباشرة بل بقدرتها على إعادة تشكيل البيئة التي نشبت فيها. وإذا كانت هذه المواجهة قد بدأت بضربات عسكرية فإن آثارها الحقيقية ستظهر في شكل التحالفات المقبلة وفي طبيعة التوازنات التي ستتشكل بعد أن تهدأ المدافع.
الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق دقيق. إما أن تكون هذه الحرب صدمة تدفع الأطراف إلى إعادة التفكير في كلفة الصراعات المفتوحة أو أن تتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة دورات عنف متكررة. وفي كلتا الحالتين فإن ما يجري لن يبقى محصورا داخل حدود دولة بعينها بل سيمتد تأثيره إلى بنية النظام الإقليمي وإلى معادلات القوة في عالم يشهد أصلًا تحولات عميقة. التاريخ نادرا ما يمنح لحظات واضحة للتغيير لكن حين يفعل فإن نتائجها تتجاوز بكثير الحسابات الأولية لمن أطلقوا الشرارة الأولى.








