
تتحول ليسه كلافينس، رئيسة الاتحاد النرويجي لكرة القدم، تدريجيًا إلى واحدة من أبرز الأصوات المعارضة لرئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” جاني إنفانتينو، في وقت بدأ فيه اسمها يُطرح ضمن الشخصيات المحتملة لخلافته على رأس المؤسسة الكروية العالمية.
ولا تقتصر أهمية كلافينس على كونها امرأة تتولى منصبًا بارزًا في منظومة لا تزال تهيمن عليها القيادات الرجالية، وإنما أيضًا على مواقفها الصريحة تجاه طريقة إدارة كرة القدم العالمية، وملفات الحوكمة وحقوق الإنسان واستقلالية الاتحادات الرياضية.
وتولت كلافينس رئاسة الاتحاد النرويجي لكرة القدم عام 2022، بعد مسيرة كلاعبة في المنتخب النرويجي، خاضت خلالها 73 مباراة دولية، إلى جانب عملها في مجال المحاماة.
بداية المواجهة مع إنفانتينو
بدأت مواقف كلافينس الحادة تجاه إدارة “فيفا” في وقت مبكر من توليها رئاسة الاتحاد النرويجي، وكان ملف استضافة قطر لبطولة كأس العالم 2022 من أبرز نقاط الخلاف.
وفي العام التالي، اتخذت النرويج موقفًا أكثر وضوحًا عندما رفضت منح صوتها لإنفانتينو خلال انتخابات إعادة انتخابه، في خطوة عكست اعتراض الاتحاد النرويجي على طريقة إدارة المؤسسة الدولية.
وترى المعلقة الرياضية النرويجية مينا فينستيد بيرغ أن كلافينس كانت من أوائل الشخصيات التي رفعت سقف الانتقادات الموجهة إلى إدارة إنفانتينو، قبل أن تجد مواقفها صدى لدى عدد أكبر من مسؤولي كرة القدم.
وتتمسك رئيسة الاتحاد النرويجي بضرورة احترام القواعد والقرارات، وهو ما أصبح أحد المحاور الرئيسية لخلافاتها مع قيادة “فيفا”.
من كأس العالم إلى ترامب والاستثمارات
توسعت قائمة اعتراضات كلافينس خلال الفترة الأخيرة، ولم تعد مقتصرة على ملف استضافة كأس العالم، بل امتدت إلى عدد من القرارات والمواقف التي أثارت جدلًا حول إدارة الاتحاد الدولي.
ومن أبرز الملفات التي أثارت اعتراضها منح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “جائزة السلام” من “فيفا”، في ظل العلاقة الوثيقة التي تجمعه بإنفانتينو، إلى جانب قرار إلغاء إيقاف اللاعب الأمريكي فولارين بالوغون خلال كأس العالم 2026، بعد تدخل ترامب، فضلًا عن مشروع فتح الباب أمام استثمارات القطاع الخاص في كأس العالم قبل التراجع عنه تحت ضغط الاتحادات.
وأحال الاتحاد النرويجي لكرة القدم هذه الملفات إلى لجنة الأخلاقيات في “فيفا”، في خطوة عززت حضور كلافينس كأحد أبرز الأصوات المعارضة لقيادة المؤسسة الدولية.
نتائج النرويج تعزز حضور كلافينس
ساهم الأداء الجيد للمنتخب النرويجي في كأس العالم الأخيرة في زيادة الاهتمام بصوت رئيسة الاتحاد، بعدما ابتعدت البلاد لفترة طويلة عن البطولات الدولية الكبرى قبل أن تحقق مشوارًا لافتًا انتهى بالخروج من الدور ربع النهائي أمام إنجلترا.
ومع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى إنفانتينو، بدأ اسم كلافينس يظهر بشكل متزايد باعتبارها شخصية يمكن أن تقود أي تحرك مستقبلي لتغيير قيادة “فيفا”.
ووصفها بعض المعلقين بأنها صاحبة “بوصلة أخلاقية متينة”، بينما اعتبر رئيس “فيفا” السابق سيب بلاتر أنها من الشخصيات القليلة التي حافظت على مواقف واضحة ولم تنجرف وراء التيار السائد، داعيًا إلى أن تتولى امرأة قيادة الاتحاد الدولي.
كلافينس: القضية ليست صراعًا شخصيًا
رغم تداول اسمها كمرشحة محتملة لخلافة إنفانتينو، تحاول كلافينس النأي بنفسها عن تحويل الخلاف إلى معركة شخصية أو الدخول في سباق مبكر على رئاسة “فيفا”.
وتؤكد أن المشكلة بالنسبة إليها تتعلق بطريقة إدارة كرة القدم العالمية وقواعد الحوكمة داخل المؤسسة، وليس بشخص إنفانتينو نفسه.
وقالت في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية إن القضية لم تكن يومًا مواجهة شخصية مع رئيس “فيفا”، مشددة على أن المشكلات “تتجاوز شخص الرئيس”.
وعندما سُئلت عن إمكانية ترشحها لرئاسة الاتحاد الدولي، اكتفت بالقول: “لم نصل إلى هذه المرحلة بعد”.
لكن مجرد تداول اسمها كمرشحة محتملة يعكس التحول الكبير في حضورها على الساحة الدولية، بعدما أصبحت من أكثر الأصوات انتقادًا لقيادة “فيفا”.
الطريق إلى رئاسة “فيفا” ليس سهلًا
امتلاك مواقف قوية وانتقادات واضحة لا يعني بالضرورة امتلاك الأصوات الكافية للوصول إلى رئاسة “فيفا”، وهو التحدي الأكبر الذي تواجهه كلافينس إذا قررت خوض السباق.
حتى داخل أوروبا، التي تبدو البيئة الأقرب إلى أفكارها، واجهت رئيسة الاتحاد النرويجي صعوبات انتخابية.
وترى مينا فينستيد بيرغ أن كلافينس قد يُنظر إليها في مناطق عديدة، خصوصًا خارج أوروبا، باعتبارها شخصية شديدة الراديكالية، فيما قد يمثل كونها امرأة عائقًا إضافيًا في بعض المناطق.
وتكشف نتائج الانتخابات الأوروبية عن جانب من صعوبة المهمة، إذ أخفقت كلافينس في الفوز بمقعد في اللجنة التنفيذية للاتحاد الأوروبي لكرة القدم “يويفا” عام 2023، قبل أن تصل إلى اللجنة في 2025 بعدما أصبحت المرشحة الوحيدة للمقعد المخصص للنساء.
وهنا يبرز التحدي الأكبر أمام أي طموح محتمل لرئاسة “فيفا”: هل تستطيع كلافينس تحويل شعبيتها كصوت معارض إلى تحالف انتخابي قادر على جمع أصوات الاتحادات الوطنية من مختلف القارات؟
ويختصر حارس المنتخب النرويجي السابق والمعلق الرياضي إريك تورستفيدت صعوبة المهمة بتساؤل مباشر: إذا كانت كلافينس واجهت صعوبة في الفوز بانتخابات داخل أوروبا، فكيف ستتمكن من إقناع الاتحادات الأفريقية وأمريكا الجنوبية بدعمها؟
فمعركة رئاسة “فيفا” لا تُحسم فقط بقوة المواقف أو القدرة على انتقاد القيادة الحالية، وإنما تحتاج إلى بناء تحالف انتخابي واسع يضم اتحادات من مختلف أنحاء العالم.
وهذا هو الاختبار الحقيقي أمام ليسه كلافينس: أن تنتقل من كونها المرأة التي ترفض الانجراف وراء التيار إلى مرشحة قادرة على إقناع التيار نفسه بمنحها أصواته.







