
بقلم / عزة الفشني
يسأل الكثير من الشعوب حول العالم هذه الأيام سؤالاٌ واحداٌ لا يملك إجابة مريحة إيران تضرب أهدافاٌ أمريكية في دول الخليج وتقصف قواعد وتغلق ممرات وتتحدث عن رد موجع ثم تتوقف عند حدود إسرائيل وتلتزم صمتاٌ غريباٌ رغم كل الخطاب الذي ملأ السنين الماضية عن القدس وعن المواجهة الحتمية فلماذا يحدث هذا هل هي هيبة إسرائيل أم خوف من ثمن لا يمكن دفعه أم أنها ببساطة حسابات باردة لا علاقة لها بالعواطف.
حين تتأمل المشهد في منطقة الخليج اليوم تجد أن النار التي أشعلتها إيران لا تحرق في اتجاه واحد بل تمتد كخيوط متشابكة بين تل أبيب وبين عواصم الخليج العربي. الحديث الذي يتكرر عن أن طهران تتجنب إسرائيل وتتجه فقط نحو دول الخليج المسالمة لا يصمد أمام الواقع الذي عشناه في الأشهر الماضية. إيران أطلقت صواريخها ومسيراتها نحو العمق الإسرائيلي أكثر من مرة ودوّت صفارات الإنذار في القدس وتل أبيب وسقطت شظايا في مناطق سكنية بينما في الوقت نفسه فتحت جبهة أخرى باتجاه الخليج واستهدفت قواعد ومنشآت تقع تحت المظلة الأمريكية.
– الحرب لا تدار بالشعارات وحدها بل بميزان خسائر ومكاسب
الحقيقة أن الحرب لا تدار بالشعارات وحدها الحرب تدار بميزان خسائر ومكاسب والخليج بالنسبة لطهران ساحة ممكنة. ساحة يمكن أن توجع فيها أمريكا دون أن تحرق كل أوراقها الضربة هناك تصل إلى القاعدة الأمريكية وترد على الوجود الأمريكي وتترك للدولة المضيفة مساحة لتقول إنها ليست طراٌ مباشراٌ وهكذا تحتفظ إيران بخط رجعة وبورقة تفاوض لم تسقط بعد.
أما إسرائيل فهي قصة أخرى تماماٌ إسرائيل ليست قاعدة بعيدة في الصحراء إسرائيل دولة لها سماء محصنة ولها يد طويلة ولها ظهر في واشنطن لا يتزحزح أي صاروخ إيراني يسقط على تل أبيب سيعني إعلان حرب شاملة لن تكون فيها إيران وحدها في الميدان سيكون الرد ساحقاٌ وسيكون مزدوجاٌ وسيستهدف العمق الإيراني كله من المنشآت النووية إلى البنية التحتية إلى قلب النظام نفسه.
– إيران تعلم أن ضربة واحدة على إسرائيل تفتح عليها أبواب جهنم
إيران تعرف هذا جيدا وتعرف أن ضربة واحدة على إسرائيل كافية لأن تفتح عليها أبواب جهنم كلها وأن تجعل العالم كله يقف في صف واحد ضدها وأن تعطي مبرراٌ لكل من يريد أن ينهي مشروعها بالكامل لذلك اختارت أن تضرب حيث الألم ممكن وحيث الرد محدود وحيث الرسالة تصل دون أن تتحول إلى إنتحار.
ليس الأمر خوفاٌ بالمعنى الذي يظنه البعض وليس جبناٌ بالمعنى الذي يردده الإعلام. هو تقدير موقف هو إختيار المعركة التي لا تكسرك قبل أن تبدأ هو أن توجع خصمك في الخاصرة التي يستطيع أن يتحملها دون أن تطعنه في القلب فيرد عليك بطعنة في الرأس.
والخطاب العالي ضد إسرائيل له وظيفة أخرى وظيفة الجمهور وظيفة الشارع وظيفة المحور الذي تحتاج طهران أن تظهر أمامه أنها ما زالت رأس الحربة وأنها لم تتنازل وأنها ما زالت تحمل الراية. الكلام لا يكلف شيئاٌ أما الفعل فله ثمن والثمن هذه المرة سيكون أكبر من أن تحتمله أي دولة مهما كانت قوتها
إيران لا تضرب الخليج لأنها تحبه ولا تتجنب إسرائيل لأنها تخاف منها هي فقط تلعب اللعبة القديمة. توجع ولا تكسر تستفز ولا تشعل تضرب القواعد ولا تلمس العواصم لأنها تعلم أن الخطوة التالية بعد إسرائيل لن تكون إنتصاراٌ ولن تكون هزيمة ستكون إنهياراٌ.
وهذا هو الفارق بين من يريد أن يبقى في اللعبة ومن يريد أن ينهي اللعبة كلها.
– إسرائيل تملك قراراً سياسياً وعسكرياً يجعل المواجهة معها مكلفة
السؤال الأهم لماذا يبدو وزن الضربات على الخليج أثقل في الخطاب العام. الجواب لا يكمن في الخوف بقدر ما يكمن في الحساب البارد. إسرائيل تملك درعاً دفاعياً متعدد الطبقات وترد بضربات مباشرة داخل العمق الإيراني وتملك قراراً سياسياً وعسكرياً يجعل المواجهة معها مكلفة جداً. أما دول الخليج فهي في عين إيران ساحة ضغط ناعمة وصلبة في آن واحد. فيها قواعد أمريكية كبرى وفيها شرايين الطاقة التي يتنفس بها العالم وفيها مضيق يمر منه ثلث نفط الكوكب. حين تضرب طهران منشأة نفطية أو ميناء أو قاعدة في المنطقة هي لا تضرب دولة بعينها بقدر ما تضرب فكرة الإستقرار العالمي وتجبر واشنطن على التفكير ألف مرة قبل أن تواصل التصعيد.
هناك أيضاً بُعد نفسي وسياسي. دول الخليج أعلنت مراراً أنها لا تريد أن تكون طرفاً في الحرب وأنها تسعى لطمأنة الأسواق وحماية شعوبها. من وجهة نظر إيران هذا الموقف يجعلها ساحة أقل مقاومة للرسائل وأكثر قدرة على إيصال الألم إلى الطرف الآخر دون الدخول في مواجهة شاملة مباشرة مع إسرائيل قد تتحول إلى حرب إقليمية لا يمكن السيطرة عليها. لذلك تجد أن الخطاب الإيراني يوزع التهديد بالتساوي لكنه يوزع الفعل بميزان مختلف. لإسرائيل الردع المباشر وللخليج الضغط غير المباشر.
– معادلة إيران توجيه رسائل إلى الخصم وتجنب حرب شاملة
لا يمكن فصل هذا كله عن الداخل الإيراني. القيادة في طهران تحتاج أن تظهر أمام جمهورها أنها لا تسكت وأنها قادرة على الرد وأنها تملك أوراقاً كثيرة. وضرب الخليج يحقق هذا العرض دون أن يشعل فوراً حرباً مفتوحة مع إسرائيل قد تكلفها قيادات ومواقع حساسة. وفي المقابل ضرب إسرائيل يحقق الهدف المعنوي بإثبات أن يدها ما زالت طويلة.
إذن المسألة ليست خوفاً ولا شجاعة مطلقة. هي معادلة معقدة تجمع بين الرغبة في توجيه رسائل إلى أمريكا وإسرائيل وبين الرغبة في تجنب حرب شاملة قد تدمر الجميع. دول الخليج دفعت الثمن لأنها تقع في المنتصف بين النار والقرار وبين النفط والسياسة. وإيران اختارت أن تلعب على هذا المنتصف لأنه يوجع أكثر ويكلف أقل.
في نهاية المشهد يمكننا رؤية الحقيقة التي تحاول طهران إخفاءها وراء لغة الردع والتحذير. إيران لا تضرب الخليج المسالم لأنها لا تستطيع ضرب إسرائيل. بل لأنها تعرف الفرق بين من يرد ومن لا يرد. وبين من تكلفته عالية ومن تكلفته محسوبة. الخليج لم يختر هذه الحرب ولم يطلق شرارة واحدة منها. لكنه وجد نفسه في قلب المعادلة
لأنه يملك ما يوجع العالم إذا احترق.
النفط والإستقرار والممرات المائية تحولت من نعم إلى أهداف.
أما إسرائيل فهي ليست مستثناه من الحسابات. هي فقط خارج دائرة السهل. المواجهة معها تعني دفع ثمن فوري ومؤلم. لذلك تؤجل طهران هذا الثمن وتدفعه على أقساط من دم الخليج وصمته.
وهكذا تصبح دول الخليج رهينة معادلة لا ناقة لها فيها ولا جمل. تضرب لتوصيل رسالة إلى واشنطن. وتحذر لتجنب رد إسرائيلي وتبتز لتفرض شروطها. وفي الوسط يقف الخليج المسالم يدفع ثمن لعبة الكبار وحده.
السؤال لم يعد خوفاً أم حسابات. السؤال الآن هو إلى متى سيظل السلام في هذه المنطقة عقوبة. وإلى متى سيظل الأضعف هو من يدفع فاتورة الأقوى.





