
بقلم: دكتور / جميل جورجى
gamil.gorgy@gmail.com
الصراع العربى الإسرائيلى يختلف عن كل الصراعات إذ لا يمكن حله من خلال المفاوضات ولا حتى حسمه وتسويته من خلال القوة العسكرية بغض النظر عن المحصلات النهائية، كما لا يمكن حله عن طريق التنظيم الدولى الهش ( الأمم المتحدة).. ناهيك عن أنه صراع “حضارى “كما وصفه العلامة “د. حامد ربيع” بين الحضارة العبرية والحضارة الإسلامية لذلك فهو أحادى الوجهة بمعنى أنه لابد وأن ينتهى باختفاء إحداهما لصالح الأخرى، كما أنه لا يخضع لكل المقاييس التى تنطبق على الصراعات الأخرى .. لقد صرح “دانيال فراى” فى كتابه بعنوان “الظروف التى تؤثر على فاعلية الوساطة الدولية” قائلاً إن خصائص الصراع تسهم فى نجاح أو عدم فاعلية الطرف الثالث فى أداء مهمته.
ويرى “فراى” أن الصراعات التى تدور بين أطراف ذات درجة عالية من التوتر عادة ما تكون أكثر صعوبة عند نشوبها وأن كل محاولات الوساطة التى تتم بين الأطراف محكوم عليها بالفشل فما بالك إذا كان الصراع ذا خلفية عقائدية كالصراع الفلسطينى الإسرائيلى.. من بين العوامل الأخرى التى تسهم فى تعقيد تسوية الصراع وصعوبة حله هى عمر الصراع ودرجة حدته ويعد الصراع العربى الإسرائيلى هو الأقدم عمراً فى التاريخ فهو لا يعود فقط إلى عام 1897 “اجنماع زعماء الحركة الصهيونية” فى “بازل” بسويسرا للتشاور بشأن إقامة الدولة اليهودية بل يمتد من أيام سيدنا “إبراهيم” فى الفترة من1850-1900 ق.م وسيدنا يعقوب فى 1650 ق.م وسيدنا موسى وداود وسليمان فهو يعد أقدم الصراعات فى التاريخ .. لذلك فلا غرابة فيما يحدث الآن وفشل كل محاولات الوساطة فى غزة وخرق “نتنياهو” اتفاق وقف إطلاق النار وبالرغم من تعهد “ترامب” بإنهاء الحرب استأنفت عمليات الإبادة على نحو فاق كل المذابح التاريخية.. إن تلك الخصائص للصراع يدركها تماماً الفلسطينيون لاسيما وأن الدافع وراء هجوم السابع من أكتوبر (طوفان الأقصى) من قبل “حماس” بغض النظر عن بعض الذرائع التى تذرعت بها المنظمات الصهيونية من قتل للأطفال فهى كانت للحيلولة دون استكمال المخطط الصهيونى.
لقد كان “طوفان الأقصى” فى 7 أكتوبر له أسبابه ومبرراته التى تم التنويه إليها ألا وهى الاستعداد لبناء “الهيكل اليهودى” وتلك الحقيقة يؤكدها الحاخام “ريتشمان” حيث صرح قائلاً فى ثانى أيام عيد الفصح فى عام 2023 تم اتخاذ خطوة حاسمة لاستئناف العبادة فى الهيكل وممارسة “شعيرة” الشعير استعداداً لبناء الهيكل فى7 أكتوبر الموافق “عيد الغفران” أو “يوم كيبور” بالعبرية .. تلك الحقيقة صرح بها “أبو عبيدة” ولكن لم ينتبه إليها أحد فى خضم الأحداث لذلك كان “طوفان الأقصى” لمنع ذلك الحدث الجلل وكانت الدافع الأصيل وراء مواصلة “نتنياهو” لحربه الدموية والإبادة الجماعية وليس ما يدفع به من ذرائع ومبررات واهية.. لقد فاق “نتنياهو” فى طغيانه نيرون” الطاغية الذى قام بحرق روما لبناء مدينة “نيروبوليس” كذلك “نتنياهو” الذى لم يألُ جهداً فى تدمير وحرق غزة وإبادة الشعب الفلسطينى من أجل بناء ما يعرف “بمملكة صهيونى” التى يتوسطها الهيكل الثالث الذى كان من المزمع بناؤه فى شهر أكتوبر 2023.. لذلك قام “نتنياهو” بخرق وقف إطلاق واستئناف الضربات على نحو أكثر وحشية وضراوة معلناً أن إسرائيل ستواصل القتال بكل ما أوتيت من قوة ضد حماس محذراً بأن المفاوضات لن تستمر إلا تحت إطلاق النار.
وفى مقال “جابرييلا بومرى” بعنوان “نتنياهو يصف الغارات على قطاع غزة يأنها فقط البداية” صرحت قائلة أعلن “نتنياهو” بأن إسرائيل ستواصل القتال لتحقيق جميع أهدافها وإعادة الرهائن والتخلص من “حماس” حتى لا تشكل تهديدًا لإسرائيل.. واستطردت “بومرى” قائلة أشار بعض المسئولون بأن إدارة الرئيس “ترامب” قد تشاورت مع إسرائيل قبل شن تلك الغارات وفى الوقت نفسه حذرت “حماس” من أن استئناف العنف سيعنى حكماً بالإعدام على الرهائن المتبقيين فى غزة وإتهام إسرائيل بمحاولة إجبارها على الاستسلام .. فى مقال “ليلي تشيسلام” بعنون ” “نتنياهو” يعود للحرب للتشبث بالسلطة “صرحت قائلة كان وضع ميزانية جديدة فى نهاية الشهر يعنى إجراء انتخابات مبكرة وهو ما يعد بمثابة كابوس بالنسبة “لنتنياهو” الذى تراجعت شعبيته فى استطلاعات الرأى بسبب إخفاقاته فى الفترة التى سبقت 7 أكتوبر.
واستطردت “تشيسلام” قائلة منذ توقيع قرار وقف إطلاق النار فى يناير أعرب القادة الإسرائيليين عن معارضتهم للمرحلة الثانية من الاتفاق والتى تتطلب انسحاباً عسكريا كاملاً من القطاع والتحرك نحو إنهاء دائم للحرب إلى جانب استمرار تبادل الرهائن والأسرى.
واستطردت “تشيسلام” قائلة إن “بن غفير” صانع الملوك الذى كان معه 6 مقاعد فى الكنيست أوضح أن ثمن عودته إلى الحكومة هو استئناف الحرب وقد التزم من جانبه بالاتفاق بعد ساعات من بدء الغارات الجوية يوم الثلاثاء.. ويرى البعض أن أحد المشكلات الرئيسية هى أن “نتنياهو” يعلم يقيناً أن إسرائيل تسجن قادتها وإنه لن يفقد وظيفته فحسب بل وحريته أيضاً بيد أن المشكلة الرئيسة كانت تكمن فى الهدف الحقيقى من الحرب ألا وهو التطهير العرقى .. واستطردت “تشيسلام” قائلة إن كل وزراء إسرائيل يأملون فى أن يكون الانتقام مما حدث فى “طوفان الأقصى” مبرراً لدفع الفلسطينيين إلى المغادرة والقضاء على كل من يرفض المغادرة لاسيما وأن الأمريكيين لا يمانعون تلك الحرب الأبدية ويقبلون الأمر كما هو ويؤمنون بأننا سوف نحقق الانتصار يوماً ما حتى ولو استغرق الأمر ألف عام.
ويؤكد “موقع إستار” على أن الشعب الأمريكى يخفى عليه أن الحكومات الغربية لا تمانع استمرار الحرب إلى ما لا نهاية إذ إن مبيعات الأسلحة تعد أكبر مصدر للثروة وهى مصدر التمويل الأساسى للحكومة والانتخابات.. فى مقال “فريدرك سى هوف” بعنوان غزة حرب بلا نهاية ويجب إعادة تقييم المصالح الأمريكية، صرح قائلاً قد يكون تقييم إسرائيل لما تواجهه من عداء فلسطينى والذى فيما يبدو أن الكثير من الإسرائيليين يصدقونه هو المحرك للحكومة والجيش الإسرائيلى .. واستطرد “هوف” قائلاً قد يرى البعض أن “نتنياهو” يريد استطالة أمد الحرب لأسباب تتعلق ببقائه السياسى ومع ذلك يبدو أن الإسرائيليين الذين يعارضونه لاسيما الذين يرغبون فى إطلاق سراح الرهائن لا يتمتعون بتأييد سياسى يذكر فى إسرائيل اليوم.. ويختتم “هوف” مقاله قائلاً إن واشنطن تريد الحفاظ على تلك الشراكة الإستراتيجية الرئيسة دون أن تتعرض لانتكاسات دبلوماسية حادة فى المنطقة وحول العالم إلا أن الدفاع عن الدولة اليهودية يظل أمرا لا رجعة فيه لأنه جزء من الحمض النووى السياسى والثقافى لأمريكا.







