
بقلم عزة الفشني
لم تكن الغابة يوماٌ صامتة كما نظن. كانت تتكلم بلغة لا نفهمها. لغة التوازن. ولغة الحدود. ولغة الفيروس الذي يسكن جسد الخفاش دون أن يؤذيه. كنا نحن من دخلنا بلا استئذان. كسرنا الصمت بالجرافات وفتحنا أبواباٌ كان يجب أن تبقى موصدة.
فيروس هانتا وإيبولا لم يهبطا علينا من السماء. خرجا من عمق الأرض التي جرحناها. أحدهما يختبئ في غبار مهجور والآخر يسري في دمعة وداع. لكنهما يشتركان في رسالة واحدة “أنت لست وحدك هنا” وأن ثمن تجاهلك لهذا الدرس هو دمك.
هذه ليست قصة عن الطب. هذه قصة عن الغرور البشري حين يواجه قانوناٌ أقدم وأقسى وأصدق منه.
– فيروس هانتا وإيبولا مرآة خوفنا حين تنتقم الطبيعة بصمت
نحن لا نخاف الفيروسات لأنها تقتل. نخافها لأنها تكشف هشاشتنا. إيبولا وهانتا ليسا مجرد كائنين مجهريين يكتب عنهما الأطباء في المجلات. هما قصة عن حدودنا التي تجاوزناها، وعن الثمن الذي ندفعه حين نتعامل مع الأرض كأنها ملكية خاصة لا شريك لنا فيها.
– البداية لم تكن في المختبر
أغلب الناس تظن أن الوباء يبدأ عندما يصاب الإنسان الأول. هذا وهم مريح. الحقيقة أن الوباء يبدأ قبل ذلك بعقود من الزمن عندما نقطع شجرة لا ينبغي قطعها. أو نردم مستنقعاٌ كان بيتاٌ لآلاف الكائنات أو نصطاد حيواناٌ كان يجب أن يبقى في عزلته. فيروس هانتا كان يسكن رئة فأر بهدوء منذ آلاف السنين. لم يؤذى أحداٌ. كان جزءاٌ من توازن لا نفهمه. إيبولا كان يعيش في دم خفاش الفاكهة دون أن يسبب له حتى زكاماٌ. العلاقة بينهم كانت هدنة قديمة.
نحن من كسر الهدنة. دخلنا الغابة بالجرافات. بنينا مناجم على قبور الفيروسات. حولنا البرية إلى مزرعة. والمزرعة إلى مدينة. والمدينة إلى مطار عالمي. ثم نتفاجأ أن الطبيعة ترد.
– هانتا الدرس الذي رفضنا فهمه
فيروس هانتا لا يحب السفر. لا ينتقل من إنسان إلى إنسان إلا في حالات نادرة جداٌ. يقتل مضيفه ثم يموت معه. في عالم الأوبئة هذا إنتحار متطور. ومع ذلك هو يخيفنا. لماذا؟
لأنه يقتل بلا ضجيج. لا يحتاج مؤامرة ولا حرباٌ بيولوجية. كل ما يحتاجه هو أن تكنس غباراٌ في مخزن قديم. أن تفتح كوخاٌ مهجوراٌ في الجبل. أن تعتقد أن المكان فارغ لمجرد أنك لا ترى فيه إنسان. هانتا يقول لنا الفراغ الذي تتخيله مليء بالحياة. والحياة لها قوانين لا تعرفك.
المأساة أننا نتعامل مع هانتا كأنه حادث فردي. نلوم الفأر. نضع السم. ننظف المخزن. ثم نعود لنبني منتجعاٌ سياحياٌ على بعد كيلومترات. المشكلة ليست في الفأر. المشكلة في إعتقادنا أن الأرض غرف فارغة نوزعها كيف نشاء.
– إيبولا حين يصبح الحب قاتلاٌ
إيبولا أكثر وحشية لأنه يستغل أفضل ما لدينا مشاعرنا ورعايتنا لبعضنا. هو فيروس ينتقم من التعاطف. ينتقل عندما تغسل الأم ابنها المحموم. عندما يقبل الزوج زوجته المريضة. عندما يلمس أهل القرية جثة فقيدهم في طقس الوداع الأخير. إيبولا لا يهاجم الجسد فقط. يهاجم نسيج المجتمع نفسه. يجعل الدفن جريمة. والعناق خطراٌ والمستشفى مقبرة للأطباء.
تفشي فيروس إيبولا غرب إفريقيا عام 2014 لم يكن سببه إيبولا. كان سببه أننا أرسلنا أطباء بلا أدوات. وأنظمة صحية منهارة. وشعوباٌ فقدت الثقة بحكوماتها. الفيروس وجد فراغاْ إدارياٌ ومهنياٌ وأخلاقياٌ قبل أن يجد فراغاٌ مناعياٌ. الناس كانت تخفي مرضاها لأنها تخاف من مراكز العزل التي تشبه السجون. كانوا يهربون بجثث أحبائهم لأنهم يرفضون أن يتم دفنهم في أكياس بلاستيكية بلا صلاة. إيبولا فضح أن الوباء لا تهزمه اللقاحات وحدها. يهزمه الثقة.
– وجهة النظر التي لا تقال
نحن نحب أن نصور الفيروسات كعدو خارجي. كغزو. كشر مطلق. هذا يعفينا من المسؤولية. يسمح لنا أن نكون الضحية دائماٌ. لكن الحقيقة القاسية أننا لسنا ضحايا في هذه القصة. نحن الطرف المعتدي.
كل وباء كبير سبقه توسع عمراني جائر. كل فيروس قاتل خرج من منطقة أُزيلت غاباتها. الأمراض الجديدة لا تولد من الفراغ. تولد على الحد الفاصل بين عالمين: عالمنا الذي يتوسع بلا حساب. والعالم الذي يسحق بلا صوت.
هانتا وإيبولا ليسا عقاباٌ إلهياٌ. هما رد فعل مناعي لكوكب الأرض. عندما يهاجم جسمك فيروساٌ ترتفع حرارتك. هذا ليس لأن الفيروس يريد قتلك بالحمى. هذا لأن جسدك يحاول أن يخلق بيئة لا يعيش فيها الفيروس. ربما الأرض تفعل الشيء نفسه معنا.
– ماذا بعد الخوف؟
لن نوقف الفيروسات بإغلاق الحدود. الفيروس لا يقرأ جواز السفر. ولن نوقفها بالمضادات الحيوية لأنها لا تعمل أصلاٌ على الفيروسات. سنوقفها عندما نحترم حدود الطبيعة.
التقدم ليس أن تصل إلى كل بقعة في الخريطة. التقدم أن تعرف أي البقاع يجب أن تترك وشأنها. التقدم ليس أن تأكل أي شيء يتحرك. التقدم أن تفهم أن بعض الكائنات خلقت لتكون بعيدة عنك.
لقاح إيبولا موجود اليوم. وعلاج هانتا ينقذ أرواحاٌ لو وصلنا مبكراٌ. لكن هذا ليس انتصاراٌ. هذا مجرد هدنة مؤقتة. الإنتصار الحقيقي يبدأ عندما يتوقف خبراء الإقتصاد عن حساب قيمة الغابة بمقدار الخشب الذي فيها فقط. وعندما نفهم أن كوخاٌ مليئاٌ بفضلات القوارض أخطر من قنبلة لأن القنبلة نراها قادمة.
– هل الفيروسات المتحورة مخلقة ولماذا؟
الإنسان حين يقرر أن يخلق وباءاٌ. فهو لا يفكر كطبيب ولا كعالم يبحث عن لقاح. هو يفكر كشخص وصل إلى قناعة مرعبة أن الموت الجماعي يمكن أن يكون أداة. وأن الفيروس أسهل من الصاروخ وأرخص من الجيش وأصعب في تتبع مصدره. الفكرة قديمة جداٌ. منذ أن أدرك البشر أن المرض ينتقل. أدركوا أنه يمكن استخدامه. الفرق اليوم أن الأدوات تغيرت. المختبر صار بديلاٌ
الدافع الأول هو السلطة. الوباء لا يحتل أرضاٌ. لكنه يحتل إقتصاداٌ. يغلق المطارات والمصانع والمدارس. يزرع الخوف في كل بيت دون أن يطلق رصاصة واحدة. من يملك القدرة على نشر وباء يملك القدرة على شل خصمه دون أن يعلن الحرب. وهو سلاح ينكر نفسه. لا أحد يستطيع أن يثبت يقيناٌ من أطلقه. خاصةٌ إذا كان يشبه فيروساٌ طبيعياٌ هذا الغموض هو قوته الحقيقية….أن تضرب عدوك ثم تقف في صفوف المشيعين تبكي معه.
ثم يأتي المال كل كارثة تخلق سوقاٌ. الوباء يخلق حاجة عالمية فورية للقاح وللدواء ولأجهزة الفحص وأقنعة الوجه. من يصنع الأزمة ويملك مفتاح حلها يتحكم في رقاب الدول. لا تحتاج أن تبيع اللقاح حتى. يكفي أن تبيع الأمل أن تبيع وهم النجاة. التاريخ المالي مليء بأشخاص جمعوا ثروات من حروب لم يخوضوها. فما بالك بحرب لا يرى عدوها.
وهناك دافع أخطر من السلطة والمال: العقيدة. بعض العقول تصل إلى حالة من اليأس أو الجنون تجعلها ترى أن العالم فاسد لا يصلحه إلا الموت. جماعات صغيرة عبر التاريخ آمنت أن تقليل عدد البشر هو الطريق لإنقاذ الكوكب.
ولا ننسى الباب الذي يفتح بحسن نية ثم لا يغلق. يكفي إهمال بسيط. عامل متعب نسي قفازه لينتقل فيروس من المختبر إلى الشارع.
اللحظة التي ينظر للأشخاص كرقم أو كعائق أو كسوق أو كتجربة مختبرية هي اللحظة التي يصبح فيها الوباء فكرة ممكنة. الردع الحقيقي ليس إتفاقية دولية ولا كاميرات مراقبة في المختبرات. الردع الحقيقي هو أن تبقى هناك قيمة اسمها الآخر لا تقتل باسم المصلحة. لأن الفيروس الذي نصنعه اليوم قد لا يفرق غداٌ بين من أطلقه ومن كان ضحيته.
الفيروسات كانت هنا قبلنا وستبقى بعدنا. هي ليست شريرة. هي محايدة. مثل المطر والنار. نحن من نجعل المطر فيضاناٌ والنار حرائق.
هانتا وإيبولا يقولان شيئاٌ بسيطاٌ أنت لست سيد هذا الكوكب. أنت ضيف ثقيل. وكلما نسيت أنك ضيف تذكرك الطبيعة بالطريقة التي لا تحبها بالحمى والنزيف والرئة التي تمتلئ بالماء.
المقالات التقليدية ستخبرك أن تغسل يديك وتلبس الكمامة. لكن المقال غير التقليدي يقول لك اغسل غرورك أولاٌ. واعتذر للغابة. واترك مسافة بينك وبين الخفاش. حينها فقط لن تحتاج الكمامة كثيراٌ.
الفيروس لا يكرهك. أنت من ذهبت إليه في بيته.
في كل قصة وباء هناك بطل لا نراه الصمت الذي يسبق العاصفة. هانتا كان ينتظر في زاوية مظلمة منذ أن خلقت القوارض. وإيبولا كان نائماٌ في عروق خفاش لم يطلب منا شيئاٌ. نحن من أيقظناهم. نحن من طرقنا الباب.
المفارقة أننا نخاف الموت لكننا نركض نحوه كل يوم حين نبني فوق مقابر الفيروسات ونسميها مدناٌ. نظن أن التقدم هو أن نصل إلى كل شيء بينما الحكمة أحياناٌ أن نعرف أي الأشياء يجب أن نبقيها بعيدة.
لا تطلب من العلم أن ينقذك من كل خطأ ترتكبه. اللقاح يعالج الأعراض لكنه لا يعالج الجشع. الكمامة تحمي رئتيك لكنها لا تحمي الأرض من البناء والزحف العمراني.
هانتا وإيبولا ليسا النهاية. هما فاصلة فقط. الفاصلة التي تضعها الطبيعة لتقول لك توقف. فكر. تراجع.
وإن لم تفهم الفاصلة فاستعد للنقطة الأخيرة. والنقطة الأخيرة لا تكتب بالحبر. تكتب بآخر نفس.








