
في اللحظة التي يختلط فيها صوت الرصاص بصوت الدبلوماسية تتوقف أنفاس العالم كله. ليس لأن طرفين فقط يتصارعان. بل لأن النار إن اشتعلت بينهما فلن تبقي على خريطة الإقليم كما نعرفها. هكذا كانت الأيام الماضية بين واشنطن وطهران. حيث وقف الجميع على حافة سؤال مصيري هل نحن أمام حرب ستعيد رسم المنطقة أم أمام صفقة ستعيد رسم التوازنات؟
فما بين لهيب التصريحات وصوت المقاتلات ولدت لحظة نادرة. لحظة قرر فيها الخصمان أن يتركا السلاح جانباٌ لا حباٌ في السلام بل خوفاٌ من الجحيم. فهل هذه اللحظة بداية نهاية لعداء امتد عقوداٌ أم مجرد إستراحة قصيرة قبل العاصفة القادمة؟
- هل انتهت المواجهة بين واشنطن وطهران؟
الحديث عن حرب شاملة بين أمريكا وإيران كان حتى وقت قريب سيناريو يطرح على الساحة الدولية. لكن الأسابيع الماضية نقلته من التحليل إلى الواقع. تصعيد عسكري متبادل. ضربات جوية. إغلاق لمضيق هرمز. وتهديد مباشر لخطوط الملاحة والطاقة العالمية. العالم وقف على أطراف أصابعه يترقب اتساع التصعيد لأن أي مواجهة بين الطرفين لا تبقى محصورة بينهم بل تتحول على الفور إلى زلزال يضرب أسواق النفط والممرات التجارية وأمن المنطقة كلها.
ورغم صوت القذائف كان هناك صوت آخر يعمل بصمت خلف الكواليس. وسطاء إقليميون ودوليون يتحركون. رسائل متبادلة. ومفاوضات خلف الأبواب المغلقة. وكانت النتيجة التي وصلنا إليها اليوم ليست إعلان نصر لطرف على آخر. بل إتفاق على إلتقاط الأنفاس. الطرفان توصلا إلى ما يشبه الهدنة المرتبطة بزمن وشروط. هدنة توقف القصف وتفتح المضيق وتجمد التصعيد لمدة شهرين. مع وعد بالجلوس على طاولة واحدة لمناقشة الملفات الكبرى التي فجرت الصراع من الأساس.
- قراءة هادئة في مشهد معقد
جوهر التفاهم الحالي بين الطرفين بسيط في شكله عميق في معناه. أمريكا تريد ضمانة قاطعة بأن إيران لن تملك سلاحاٌ نووياٌ. وتريد تفكيك ما تراه دعماٌ للجماعات المسلحة. على الجانب الآخر إيران تريد رفع العقوبات وإستعادة أموالها المجمدة والعودة إلى بيع نفطها دون قيود.
المذكرة التي تم التوصل إليها علقت المواجهة مقابل إختبار النوايا. وقف إطلاق نار مؤقت. إفراج تدريجي عن الأصول. حرية أكبر لصادرات النفط. والتزام إيراني بتفكيك البرنامج النووي وفتح المضيق دون رسوم أو عوائق.
يأتى السؤال هنا: هل هذا سلام؟ فى رأيى ليس بعد. السلام يعني نهاية الشك وبداية الثقة. فالثقة هنا غائبة امتدت لعقود من العداء. ما حدث هو “إستراحة محارب” فرضتها الأزمة الإقتصادية العالمية الحالية. لا أمريكا تتحمل حرب استنزاف طويلة تؤثر بالسلب على أسواقها. ولا إيران أيضاٌ تتحمل عزلة إقتصادية خانقة تزيد من الضغوط فى الداخل الإيراني.
- كلفة الإستمرار أعلى من كلفة التفاوض
من الواضح أن كل طرف أدرك أن كلفة الإستمرار أعلى من كلفة التفاوض فكلاهما خاسرين. فقررا التفاوض على طاولة السياسة بدل من إستمرار الحرب على الأقل في هذه المرحلة.
الإختبار الحقيقي سيبدأ الآن. الإتفاقات الورقية سهلة. لكن ترجمتها على أرض الواقع معقدة. فهل ستلتزم إيران بتفكيك منشآت أمضت سنوات في بنائها؟ هل سترفع واشنطن العقوبات بالفعل أم ستعلقها بخيط رفيع من الشروط؟ وهل يصمد الداخل الإيراني المنقسم بين من يرى في الإتفاق طوق نجاة ومن يعتبره تنازلاٌ وإستسلاماٌ؟ وكذلك الداخل الأمريكي الذي يتأرجح بين منطق القوة ومنطق الصفقة. كل هذه الأسئلة ستحدد إن كانت الستون يوماٌ القادمة مقدمة لسلام دائم أم مجرد هدنة مؤقتة.
المحصلة الحرب توقفت نعم. لكنها لم تنتهي. القذائف صمتت لكن الأصابع لا تزال على الزر. ما نعيشه اليوم هو فرصة أوقفت التصعيد. وربما لا تتكرر قريباٌ. التاريخ يعلمنا أن السلام بين الخصوم الكبار لا يولد فجأة بل ينتزع عن طريق التوصل إلى إتفاق وتفاهمات تتطلب شجاعة سياسية وقدرة على تقديم تنازلات كبيرة من كلا الطرفين. فإن حدث ذلك فقد تم إنقاذ الشرق الأوسط من حرب كادت أن تفتك بها وإن فشل ذلك فسنعود مرة أخرى إلى نقطة الصفر لكن بجراح أعمق وخسائر أكبر.
- الستون يوماٌ القادمة إختبار لتاريخ طويل من العداء
الستون يوماٌ القادمة ليست مجرد أرقام في إتفاق. بل إختبار لتاريخ طويل من العداء. إما أن تكتب فيها أول سطور فصل جديد من إلتقاط الأنفاس ويمنح المنطقة الإستقرار الذى غاب عنها طويلاٌ. وإما أن تتحول إلى فاصل إعلاني قصير قبل أن يعود المشهد إلى نقطة الإنفجار.
فى النهاية: السلام لا يقاس بتوقيع على ورق بل بقدرة الأطراف على تحويل الخوف من الحرب إلى إيمان بجدوى التفاهم. ما بين واشنطن وطهران اليوم ليست مصالحة بالمعنى المتعارف. بل إعتراف متبادل بأن كلفة المواجهة باتت أكبر من أي مكسب يتم إنتزاعه بالقوة.
الهدنة التي ولدت من رحم التصعيد هي فرصة معلقة بين السماء والأرض. قد تسقط وربما ترسخ إذا أظهر الطرفان حسن النوايا وتقديم تنازلات فى جوهرهامؤلمة خاصةٌ لإيران.
الحرب توقفت. لكن السلام لم يولد بعد. وبين التوقف والولادة مسافة تقطعها الإرادة. لا الأمنيات.








