
أ.م.د. سهام عبد الباقى
رئيس قسم التاريخ والآثار بالجامعة الإسلامية
بولاية منيسوتا الأمريكية -المركز الرئيسي
جال بخاطري وأنا أتابع الفيلم الأجنبي “كينج كونج” فانتازيا الحب التي ربطت بين غوريلا وفتاة جميلة. كان يحاول طيلة الفيلم أن يحميها واضعًا إياها بكفه الضخم منعًا لها من الأذى، وظل متمسكًا بها لآخر لحظة قبل قنصه، وظلت هي تناهض قتله معرضة نفسها للخطر، شفقة ورحمة منها على من حماها وأحبها رغم كونه وحشًا.
تلك الفانتازيا حملت رسالة عميقة مفادها: أن أكثر المخلوقات وحشية لم تخلُ من العاطفة والشعور.تلك الفكرة أُعيدت صياغتها في الأدب الإنجليزي بسياقات وأحداث مختلفة. ففي فيلم “الجميلة والوحش” سُحر الأمير فتحول وحشًا، وكأن الوحشية أقصى عقوبة وأذى يمكن أن يصيب الإنسان؟ وعندما وقع في حب الجميلة ووقعت هى في حبه، اجتثت زهور الحب التي أزهرت بداخله بذور الوحشية، وأشرقت روحه من جديد. فعادت له هيئته البشرية. وكأن الحب الصادق قادر على إصلاح الداخل وإعادة التوازن بين قوام النفس البشرية المادة والروح .
في مملكة الحيوان أكدت الدراسات المدعومة بالملاحظة الدقيقة أنه لا يمكن تجريد الوحوش من مشاعر الحب، وإلا انقضّت على بعضها فلم تُبقِ ولم تذر. فلم تقم أفعى بلدغ وليدها بل لا تتوانى عن الثأر لمن يمس وليفها بسوء. ولم يقم أسد بافتراس شِبله أو قتل أنثاه، ولم تخلُ ممالك الطير من قواعد تحكمها وفطرة تلهمها وترشدها، فالطير الجارح يُغذي فرخه دون أن يمسه بسوء. مما يؤكد عظمة الخالق وإبداعه في خلقه، حيث جٌبَلَ أكثر المخلوقات قسوة ووحشية على معاني الرحمة والحب… أغلى عطايا الذات الإلهية لمخلوقاته جمعاء.
فكان كشف تلك العوالم إعجازًا إلهيًا وعلمًا إلهيًا اختص الله به نبيه سليمان ليرينا جانبًا من عظمة ودقة خلقه وصنعه. وتجلت العاطفة بأعلى درجاتها وأسماها في البشر، فكانت عاطفة الحب التي ربطت آدم وحواء، أول خلق الله وأول زوجين، معجزة إلهية. فسكن كل منهما للآخر بقدرة الله وإرادته العليا. فكان هذا الحب والارتباط نواة بناء الأسرة وإعمار الأرض، فالمرأة يطيب لها التضحية بنفسها لتهب الحياة لطفل وقد تضحي في بعض الأحيان بأمومتها حفاظًا على زوجها، كما يكافح الرجل طيلة عمره ليحمي أسرته ويكفيها المؤونة حبًا وحنانًا منه، ومسؤولية فرضها الله عليه، وميثاقًا وعهدًا موصولاً بين السماء والأرض. فكيف يخذل المحب حبيبه؟! وكيف لقلب ذاق الحب يومًا أن يجحد ويتنكر للعشرة والمودة ؟ فبعض النفوس البشرية أقرب إلى الوحوش مهما أصطنعوا اللطف والهدوء والتؤدة، فالتجارب وحدها كفيلة بأن تكشف حقيقتهم وأنانيتهم المفرطة؟
فكم من وجوه جميلة تٌخفي نفوسًا خبيثة؟ وكم من كلمات معسولة يخرج من بين أحرفها السم الزعاف؟ وكم من وجوه قبيحة تجمّلت بحسن الخلق وحلاوة المنطق وأناقة الكلمة؟ وكم من بشر جمعوا بين قبح الصورة والروح واللسان؟ ففقدوا كل معاني الجمال فلم يستحوذوا على قلب أو يحظوا بحبيب؟ فالخبث جوهرهم، والرياء ديدنهم، والشماتة طبعهم، والاستغلال أسلوبهم. وكم من مغدور به مدّ حبل نجاة لمن غدر به يومًا وأساء إليه إساءة لا تُغتفر فقط لأنه جُبل على النبل. وكم من خائن نجا من الغرق على جثمان من أراد له الحياة؟ كم من أقنعة سقطت؟ وقلوب خانت؟ وعهود ضيعت بفعل الشهوة العابرة.
عندما وصف الله بعض القلوب بأنها أشد قسوة من الحجارة، لأن بعض الحجارة في باطنها الخير، فكأن المعنى أن بعض القلوب عوقبت فحُرمت من اللين والعاطفة؟ لأن الوحشية صفة ثانوية، بينما الرحمة صفة إلهية، أودعها الله الإنس والجن والطير والحيوان؟ وكلٌ يعمل على شاكلته. وما جُبلت عليه روحه من خير أو شر؟
لذا أبدًا لن تندم الوحوش!







