
قصة: مراد ناجح عزيز
……..
خطوات قليلة ..
لضوء بعيد, كانت كفيلة لردع ساعات الليل هُنا, حيث تلك البناية(منزلنا القديم) قبل اغترابنا في متاهات الحياة, تراه وقد ارتفع عن الأرض لطابقين, يطوّق سطحه من الجهات الأربع سور قصير, حِرصًا على سلامة الأطفال إذا ما صعِدوا لأعلى, الأرضي ..
تسكن جوفه نخلة عجوز كأنها مِسلّة فرعونيّة شاهِقة, فُرن خبيز طيني, كان ولا يزال أنشودة للدّفء والحكايات, لا سيما والكثير منها يجعلك تنكمش في ركبتيك, ويسري في جسدك قشعريرة يُعززها الخيال والتّفاصيل.
صوت نقيق الضّفادع, لدغات النّاموس الشّرِسة, اختناق الهواء بجوف غُرفة صغيرة, بعض الكلاب الضّالة وعوائها المستمر طوال الليل, جعل من الوقوف بين يدي سلطان النوم أمر مستحيل, نزعت غطائي, وبخطا مُتثاقِلة, كانت أولى خطواتي خارج المنزل, دقائق قليلة متجوّلًا, حظيت القرية باهتمام كبير في الآونة الأخيرة, مشروعات مختلفة وطرق ممهّدة, ارتفاع البنايات الخرسانية, وتآكل بعض المساحات الخضراء نتيجة لذلك, مازالت أجواء القرية تحتفظ ببعض جذورها في الأرض, حيث تشق التّرع ضفّتي الطّريق, تتناثر أشجار النخيل بامتداد البصر, في الطّريق تذكّرت قصّة سيدّة الطاحونة, التي وجدوا جثّتها خلف سير المكن صباح احد الأيام, وتناثرت الأقوال مابين حقيقيّة ومن نسخ الخيال, كان من بينها هروبها بعد أن حَملت سِفاحًا, وأقوال أخرى عن هروبها اعتراضًا على زواجها عِنوة من عجوز وهي ابنة العشرين, وجن السّاقية المهجورة, الذي طالما تراءى للبعض في صورة طفل يخرج ليلًا للعب
بالقُرب من التّرعة.
وأمام احد المنازل النائية والتي ساقتني إليها خطواتي, كان منزل الأستاذ( ناصر) طرقت الباب مناديًا, لعلمي باعتياده السّهر ولا ينام إلا قليلًا, مساء الخير أستاذ (ناصر) أنا صديقك القديم (خيري) بيد مُرتعِشة فتح الباب, دخلت, استقبلني بحفاوة
كمن ينتظر غائب له, لم يختلف المنزل عما كان عليه منذ سنوات, حُجرة صغيرة في منزل قديم تهالكت جدرانه, يسكنه الفراغ بعد أن توفّيا والديه, منضدة صغيرة تتوسّط الغُرفة, تناثر فوقها بقايا طعام, وكوب شاي تحجر داخله السّكر, لا سيّما وهو يشرب الشّاي تقيل سكّر زيادة أكثر ممّا ينبغي, تليفزيون صغير, سرير خشبي تتوسّطه مرتبة قطنيّة مقعّرة, نظرًا لتقوّس جسده داخلها, كانت رغبتي قضاء بعض الوقت بصحبته قبل اشراقة ضوء الصّباح, لا سيّما وكانت تربطني به صداقة قبل مغادرتنا للقرية, كونه يحتفظ بكل المجلات الرياضيّة والفنيّة الحديث منها والقديم, في محاولة لقتل بعض الوقت, ومُطالعة أخبار لاعبي الكُره, وما تحمله وجوه نجمات السينما,
والسّفر إلى حيث الألوان والمتنزّهات الفسيحة.
بعد دقائق, جلست خِلالها مًتصفّحًا بعض أوراق إحدى المجلات, كان خِلالها الطرف الأكثر صمتًا على غير عادته, التي كان فيها دائم الحديث عن الفن والرّياضة, وكنت الطّرف الأكثر كلامًا, أكاد أن انتزع الكلمات من بين شفتيه, فاته قِطار الزّواج, كمن أعد حقائبه للسّفر لأجل مَن يُحب, وظل مستيقِظًا حتّى غفا قليلًا, استيقظ فلم يجد سوى غُرباء, تحدّث قليلًا وبكى كثيرًا, ولمّا غالبه الحُزن استأذن دقائق لراحة جسده, تارِكًا لي حرّيّة البقاء بقوله:(البيت بيتك) شَكَرته على حُسن ضيافته, وخارج المنزل كان لا يزال بعض من بقايا ليل طويل, لم تتّضح بعْد وجوه المارة من حولي, فاجأني سؤال احدهم: انت عاوز مين هنا؟ البيت مقفول بقاله اكتر من سنه بعد وفاة الأستاذ( ناصر) أخبرته أنه مازال على قيد الحياة, ابتسم قائلًا: هذه واحدة ضمن العديد من حكايات أهل القرية, وحتّى يؤكّد كلامه, اقترب من الباب, وأشار بيده إلى تلك الأقفال على الباب وكان موصدًا, يعتلي سطحه الأتربة, ثم تركني ومضى يشق
الزّراعات حتّى اختفى تمامًا على بُعد خطوات قليلة, جحظت عيناي مندهِشًا, شعُرت
بجسدي ثقيلًا في بادي الأمر, وما إن استطعت ترويض تلك اللحظات, أدرت ظهري وهممت مُسرِعًا, في حين اتّسعت رٌقعة ضوء فجر جديد, تفترش الأرض من حولي,
لتظل تلك الحكايات صفحة في كتاب ليل قريتنا الطّويل.
