
بقلم: بهجت العبيدي
مدير مكتب مؤسسة رسالة السلام العالمية في النمسا ودول شرق أوروبا
في زمنٍ تتلاطم فيه أمواج التفسيرات المتضاربة للدين، وتختلط فيه المفاهيم، وتُرتكب باسم العقيدة أفعالٌ تُسيء إلى جوهرها الإنساني، يبرز مشروع المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي كمنارة فكرية تسعى لإعادة الإسلام إلى صورته النقية الأولى: رسالة هداية، ورحمة، وكرامة إنسانية. إن هذا المشروع لا يمثل مجرد اجتهاد فقهي جديد، بل هو مراجعة جذرية للمسار، تعود إلى النوابع الصافية للقرآن الكريم، وتتخذه المرجعية العليا والميزان الذي تُوزن به الأفكار والممارسات.

ينطلق مشروع الشرفاء الحمادي من مسلمة بسيطة في ظاهرها، عميقة في نتائجها: أن الإسلام الذي أنزله الله في القرآن الكريم هو دين يخاطب الإنسان، كل إنسان، بلا وسطاء، وبلا وصاية، وبلا تمييز على أساس العرق أو الجنس أو المعتقد. ويُعد التمييز الواضح بين الدين الإلهي والتدين البشري حجر الزاوية في فكره. فالنص القرآني، في رؤيته، هو المصدر الوحيد للدين الإلهي، بينما التدين البشري هو ما تراكم حول هذا النص عبر القرون من موروث فقهي وتفسيري، اختلط فيه المقدس بالاجتهادي، والإنساني بالسلطوي.
يذهب الشرفاء بشجاعة فكرية إلى أن كثيرا مما أُلصق بالإسلام وأسهم في تقديمه للعالم بوصفه دين خوف وإقصاء، لا يمتّ إلى جوهر القرآن بصلة. فالقرآن، في هذا الطرح، يعود ليكون دليلا هادئا ومنهجا لتحرير الضمير، لا أداة للهيمنة عليه. ويؤكد الشرفاء الحمادي أن الخطاب الإلهي الذي أنزله الله لا يُجدد، لأنه ليس بقديم ليُجدد، بل هو خطاب راقٍ ومحدد المضمون ويخاطب العقل، ويدعو إلى الرحمة والتدبر.
في المقابل، يرى أن الخطاب الديني هو كل النصوص التي أضيفت للسرديات المقدسة الأصلية، وقد أدت إلى الانصراف عن القرآن وتسببت في كثير من المشكلات.
إن الإسلام كمنظومة قيم إنسانية وحوار مع العالم من أهم أبعاد مشروع الشرفاء الحمادي أنه لا يقدّم الإسلام في مواجهة العالم، بل في حوارٍ معه. فالإسلام هنا ليس هوية منغلقة، بل منظومة قيم إنسانية عالمية تشمل: العدل، والحرية، والمسؤولية الفردية، وكرامة الإنسان، والتعارف بين الشعوب. وهذا الفهم يفتح مساحات واسعة للعيش المشترك الحقيقي، القائم على الاعتراف المتبادل والاحترام الصادق، ويقدم نموذجا لإسلام قادر على الاندماج الإيجابي في المجتمعات المتعددة الثقافات، دون أن يفقد روحه أو يتنازل عن قيمه.
إن من أكثر المباحث عمقا وإثارة للتأمل في مشروع الشرفاء الحمادي، تأكيده – انطلاقا من النص القرآني ذاته – على أن القرآن الكريم يقرّ بصحة العقيدة المسيحية بوصفها إيمانا بالله ورسالة سماوية، ويمنح أتباعها مكانة واضحة داخل المنظومة الإيمانية القرآنية.
إن هذا الطرح، القائم على قراءة دقيقة للآيات، يُسقط سرديات الصدام الديني، ويفتح الباب أمام فهم جديد للعلاقة بين الإسلام والمسيحية، لا باعتبارهما خصمين تاريخيين، بل رسالتين تلتقيان في الجوهر الإلهي والقيمي، وتختلفان في المسار الإنساني. ولو كُتب لهذا الفهم أن ينتشر عالميا، لتغيّرت جذريا طبيعة الخطاب الديني، ولتراجع منسوب التوتر والكراهية، ولأُغلقت أبواب واسعة أمام دعاة الفتنة باسم الدين.
إننا نؤمن بأن ترجمة مشروع علي محمد الشرفاء الحمادي إلى لغات العالم، ونشره في الفضاءات الثقافية الأوروبية والدولية، ليس ترفا فكريا، بل ضرورة حضارية. فالعالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى خطاب ديني عقلاني، وإنساني، قابل للفهم والتفاعل، ويملك القدرة على تصحيح الصورة المشوهة عن الإسلام والمسلمين.
في هذا السياق، يأتي افتتاح مكتب مؤسسة رسالة السلام العالمية في النمسا ودول شرق أوروبا، الذي تشرفت بإسناد الأستاذ علي الشرفاء إدارته لي، بوصفه خطوة عملية على طريق نشر هذا المشروع التنويري في قلب المجتمع الأوروبي.
تهدف المؤسسة إلى ترسيخ قيم التعايش، ونشر الوعي الديني المستنير، ومواجهة الفكر المتطرف، وتوسيع نطاق المشروع الفكري للأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي. ونؤكد أن المؤسسة لا تبحث عن مروجين، بل عن شركاء في الفكرة، يدركون أن نشر هذا المشروع ليس مهمة علاقات عامة، بل مسؤولية فكرية وأخلاقية تجاه الإنسان، أيًّا كان دينه أو خلفيته.
وفي نهاية مقالنا فإننا نؤكد على أن مشروع علي محمد الشرفاء الحمادي ليس مشروعا ضد أحد، بل من أجل الجميع. وليس ثورة على الدين، بل عودة إليه. وإنه ليس قطيعة مع التراث، بل تحريرا للعقل من سطوته حين يتحول إلى قيد. وإذا كُتب – ونحن، مع زملائنا والمؤمنين بالرؤية الإنسانية، نعمل على ذلك جاهدين – لهذا المشروع أن يُقرأ بإنصاف، ويُناقش بعقل مفتوح، ويُقدَّم للعالم بلغته الإنسانية، فسيكون – بلا مبالغة – أحد أهم الجسور التي تعيد للإسلام صورته الحقيقية: دين السلام، ودين الإنسان.
