
بقلم خالد الحديدي
في لحظة تاريخية تتأرجح بين الانحدار والتوق إلى النهوض، بزغ صوت الإمام محمد عبده، لا كمجدد فحسب، بل كمفكّر تنويري واجه ــ بوعي عقلاني وروحانية متزنة ــ أكثر السلطات تجذرًا: السلطة الدينية المغلقة على ذاتها، التي نصّبت نفسها حارسة على العقيدة، ووصية على الإيمان، وفارضة على الناس فهمًا أحاديًا للنصوص، لا يقبل التجديد ولا يُطيق الأسئلة.
لقد أدرك محمد عبده أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في النصوص الدينية نفسها، بل في الذهنية التي تقرأ هذه النصوص، في تلك العقول التي عطّلت طاقة التأويل، وأقصت العقل من دائرة التفاعل مع الوحي، وجعلت من الموروث حاجزًا لا جسرًا. وكان هجومه موجّهًا بالدرجة الأولى إلى من وصفهم ضمنًا بأنهم “المُحتسبون الجدد”، الذين حوّلوا الدين إلى منظومة رقابة لا منظومة تحرير.
—————————–
رفض الوصاية الدينية على العقول
في أكثر من موضع، عبّر الإمام عن ضيقه من هيمنة رجال الدين الذين يعارضون كل دعوة للإصلاح، ويخشون من تجديد الفهم كما يخشى السلطان من الثورة. قال في أحد مقالاته:
“لو كان الاجتهاد جريمة عند هؤلاء، لكان التفكير ذاته خطيئة!”
فهو يرى أن الوصاية على العقيدة ليست سوى صورة مقلوبة من الاستبداد السياسي، لكنها أكثر خطورة لأنها تمارس القمع باسم السماء. فهؤلاء ـ كما صوّرهم ـ يجعلون من أنفسهم أمناء على الإيمان، ويرفضون أي صوت يخالفهم، بل ويصنفونه خارج الملة لمجرد مخالفته الفهم السائد.
—————————–
الدين بين الجمود والتحرر
محمد عبده لم يطرح رؤيته كتمرّد على الدين، بل كدعوة لتحريره من الجمود والتقليد الأعمى. فهو القائل في تفسيره للقرآن الكريم:
“ليس من الإسلام أن يُغلق باب الفهم، ويُحال بين العقل والنظر، فإن الله لم يبعث رسولًا إلا لإحياء العقول، لا لإماتتها.”
هذا التصور يعكس عمق قناعته بأن الشريعة ليست منظومة مغلقة، بل مجال حيوي للتفاعل الإنساني المتجدد، يتسع للاجتهاد، ويحتفي بالعقل، ويتكيف مع متغيرات الزمان والمكان، دون أن يفقد جوهره الروحي والأخلاقي.
—————————–
تحليل البنية السلطوية للفتوى التقليدية
في كثير من فتاوى عصره، رأى الإمام أن الخطاب الفقهي تحوّل إلى جهاز ضبط اجتماعي، لا إلى منظومة هداية، وأن “الفتوى” عند حُرّاس العقيدة لم تعد ترجمانًا للرحمة، بل سيفًا يُشهر في وجه المختلف والمجتهد والعاقل. وقد هاجم تلك النزعة السلطوية بقوله:
“إن بعض من يُسمّون علماء يظنون أن الله فوّض إليهم أمر الناس، فصاروا يفتون بما يعين على بقاء الجهل، لا رفعه.”
وهذا النقد لم يكن لغويًا أو فلسفيًا فحسب، بل كان نقدًا لبنية السلطة في فهم الدين، حيث تتحوّل المعرفة الدينية إلى أداة للهيمنة، وتُستبدل مقاصد الشريعة بمصالح الفقهاء.
—————————–
الدين محرّكٌ للنهضة لا قيدٌ عليها
إن مشروع محمد عبده النهضوي كان يقوم على أن الإسلام، في جوهره، مشروع تحرير: تحرير للعقل، والضمير، والإرادة. فحين طالب بتجديد التعليم الأزهري، وإصلاح القضاء الشرعي، لم يكن ذلك نزوعًا نحو “علمنة”، بل نحو تحرير الإسلام من التكلّس الإداري والجمود المعرفي. وقد أكد مرارًا أن الدين لا يمكن أن يقف في وجه التقدم، بل هو رافعة له، شرط أن يُفهم فهمًا حيًا.
الرسالة الباقية: هل نُعيد قراءة محمد عبده؟
اليوم، بعد أكثر من قرن، لا يزال سؤال محمد عبده حاضرًا:
هل الدين سلاح في يد الخائفين من الحرية، أم أفق مفتوح للمعنى والكرامة؟
هل يمكننا، بعد هذا الإرث من التقديس الجاف، أن نُعيد فتح أبواب الاجتهاد ونردّ الاعتبار للعقل بوصفه أداة للفهم لا أداة للشك؟
لقد تصدّى محمد عبده لحراس العقيدة حين رأى أن رسالتهم ليست حماية الدين، بل حماية امتيازاتهم الفكرية، وأن معركتهم ليست مع الكفر، بل مع العقل. ولا تزال هذه المعركة مستمرة حتى اليوم، في صور شتى، ومسميات أكثر تهذيبًا، لكن الجوهر واحد.
وفي النهاية، يبقى صوت الإمام محمد عبده شاهدًا على تلك اللحظة التي تكلّم فيها العقل العربي مع نفسه بصدق، وقال:
“الدين لا يُحتكر، ولا يُستعبد به الناس، بل يُحررهم، فويلٌ لحراسٍ لا يحرسون إلا أبواب القهر.”








