
راجي بشاي
كلّ الناس يتحدثون عن إيران. يتحدثون عن خامنئي. يتحدثون عن إسرائيل!!
أنا أرى شيئًا آخر .. الحرب الحقيقية في مكان آخر .. سأعرض عليكم حدثين. يبدو أنه لا علاقة بينهما .. لكن بينهما رابط… وسأشرحه لكم.
* الحدث الأول:
الولايات المتحدة نفّذت عملية في فنزويلا. تمّ اعتقال مادورو.
الجميع قال: “سقط الديكتاتور”. وصفّقوا. بعضهم قال إنه مخالف للقانون الدولي.
لكن لم يسأل أحد هذا السؤال: من كان أكبر زبون لنفط فنزويلا؟
الإجابة: الصين. .. فنزويلا كانت تبيع 800 ألف برميل نفط يوميًا مباشرة إلى الصين. ذهب مادورو… وانقطع هذا الخط.
* الحدث الثاني:
الولايات المتحدة وإسرائيل ضربتا إيران. قُتل خامنئي وقتل معه عدد كبير من القيادات العليا في إيران
الجميع قال: “انتهى التهديد النووي”. بعضهم صفّق. وبعضهم قال إنه مخالف للقانون الدولي واحتجّ.
لكن لم يسأل أحد هذا السؤال: من كان أكبر زبون لنفط إيران؟
الإجابة مرة أخري نفس البلد: الصين .. إيران كانت تبيع 1.5 مليون برميل نفط يوميًا مباشرة إلى الصين. بدأت الحرب… وانقطع هذا الخط.
بلدان مختلفان. قارتان مختلفتان. ذريعة مختلفة .. لكن الزبون واحد: الصين .. هل هي صدفة؟ أشك كثيراً بل أستطيع أن أقول بوضوح: لا .. سأشرح…
* نظرية راي داليو واضحة: عندما تقترب قوة صاعدة من القوة القائمة، يصبح الصدام حتميًا .. هذا الفيلم تم عرضه و هذه النظرية تم تطبيقها من قبل:
ألمانيا صعدت وكادت تتجاوز بريطانيا .. والنتيجة: الحرب العالمية الأولى.
اليابان صعدت واقتربت من أمريكا في المحيط الهادئ .. والنتيجة: الحرب العالمية الثانية.
الاتحاد السوفيتي صعد وتحدّى أمريكا .. والنتيجة: الحرب الباردة والتصعيد النووي.
الآن لننظر إلى وضع الصين.: الصين تنتج وحدها 28% من إنتاج العالم. وكل سنة تقترب أكثر من أمريكا وتقديرات المحللين واضحة: بحلول 2030 ستكون الصين أكبر اقتصاد في العالم وهذا بالنسبة لأمريكا أزمة وجودية.
أخطر لحظة لأي قوة عظمى هي عندما يكون منافسها على وشك تجاوزها. إمّا أن توقفه في تلك اللحظة… أو لن تستطيع إيقافه لاحقًا .. وكل ما ترونه الآن هو جزء من هذه العملية.
كيف؟ الصين تستورد 73% من نفطها. إنتاجها لا يكفي. لا بد أن تستورد.
تخيلوا معي: أمامكم مصنع عملاق جدا .. قوي جدًا .. مؤمّن جداً ويدير ربع إنتاج العالم ويتضح جيداً أنه لا يتوقف ولا يُوقَف.
لكن لديه نقطة ضعف: لا ينتج وقوده بنفسه .. ولهذا المصنع العملاق أربعة أنابيب وقود:
الأول: فنزويلا .. الثاني: إيران .. الثالث: روسيا والرابع: السعودية
ماذا تفعل أمريكا؟ لن تستطيع أن تفعل أي شيئ إلا قطع أنابيب الوقود:
تم قطع فنزويلا .. تم قطع إيران .. تم تقييد روسيا بالعقوبات .. والسعودية؟ تراجع الإنتاج مع الحرب.
لإيقاف مصنع عملاق مؤمّن جيدا … لا تحتاج أن تحاربه أو تنسفه ..اقطع عنه الوقود… وسيتوقف وحده.
سجّلوا هذا: المقطوع من فنزويلا: 800 ألف برميل يوميًا و المقطوع من إيران : 1.5 مليون برميل يوميًا .. المجموع: 2.3 مليون برميل يوميًا
استيراد الصين اليومي: حوالي 11 مليون برميل .. في خلال أكثر من شهرين بقليل، تم قطع 20% من إمدادات الصين .. ولا أحد انتبه… لأن الجميع كان ينظر إلى إيران.
** لكن الطاقة ليست الجبهة الوحيدة: الصين كانت تبني شيئًا آخر .. طريق الحرير الحديث. شبكة تجارة ضخمة تمتد من بكين إلى قلب أوروبا. سكك حديد، موانئ، خطوط أنابيب، استثمارات بتريليونات الدولارات.
لماذا؟ لأن من يسيطر على التجارة مع أوروبا… يسيطر على الاقتصاد العالمي. وأوروبا كانت تميل نحو الصين

ألمانيا: شريكها التجاري الأول لم يعد أمريكا، بل الصين.
فرنسا ا: توقع اتفاقيات جديدة.
إيطاليا: انضمّت رسميًا للمشروع.
أوروبا كانت تبتعد تدريجيًا عن أمريكا وتتجه نحو الصين .. وهذا أزمة ثانية لأمريكا .. لا ننسي أن الأزمة الأولي كما ذكرت هي : تفوق الصين اقتصاديًا.
و الثانية: خسارة أوروبا .. إذا خسرت أمريكا أوروبا… ماذا يبقى لها؟ السلاح والدولار. وهذا لا يكفي وحده.
وفي تلك اللحظة… ضُربت إيران .. هل إيران لغرض إيقاف تصدير البترول للصين فقط .. لا .. إيران كانت نقطة وصل أساسية في طريق الحرير. استقرارها كان ضروريًا لوصول الصين إلى أوروبا. هذا الاستقرار تم تدميره.
بحركة واحدة، فعلت أمريكا أمرين: قطعت وقود الصين وأعاقت طريقها التجاري .. فالمصنع الآن بلا وقود كاف … والطريق مغلق.
** ماذا بعد؟ بقيت نقطة واحدة: تايوان. لماذا تايوان مهمة؟ 90% من أكثر الشرائح الإلكترونية تطورًا تُصنّع هناك. هاتفك، سيارتك، أسلحتك… كلها تعتمد عليها.
من يسيطر على تايوان… يسيطر على تكنولوجيا القرن 21 .. أمريكا تقول: “سندعم تايوان”. الصين تقول: “تايوان لنا… ولو بالقوة” و لا مجال للتسوية ..
* وهنا تتحقق نظرية داليو .. كل هذه التحركات… تمهيد لتلك المواجهة.
تخيلوا ملاكمين يستعدان للنزال: أحدهما يقطع الماء والطعام عن الآخر قبل الصعود للحلبة: فنزويلا: قُطعت و إيران: قُطعت و روسيا: قُيّدت و السعودية: أُضعِفت و أوروبا: أُبعدت والحلبة : تايوان. والاقتراب منها يزداد يومًا بعد يوم.
لكن هناك أمر آخر: أمريكا لا تضعف الصين فقط… بل تربح أيضًا .. كل حرب تعني صفقات سلاح .. عندما تسقط القنابل في الشرق الأوسط… ماذا تفعل دول الخليج؟ تشتري السلاح .. ومن؟ من أمريكا.
السعودية، الإمارات، قطر .. البحرين .. الكويت … الجميع يزيد ميزانيته الدفاعية .. مع كل انفجار = صفقة .. و مع كل أزمة = عقد .. و مع كل حرب = مليارات .. فأمريكا الآن تقطع وقود الصين… وتملأ خزائنها.
استراتيجية واحدة… خمس مكاسب:
1- قطع طاقة الصين
2- تعطيل طريقها التجاري
3- السيطرة على المنطقة
4- الربح من السلاح
5- إضعاف الصين قبل تايوان
الجميع يرى حروبًا متفرقة .. و أنا أرى استراتيجية واحدة: فنزويلا جبهة .. وإيران جبهة .. روسيا جبهة .. و ضرب إيران للسعودية والخليج جبهة .. وأوروبا جبهة .. لكن الحرب واحدة. والهدف واحد: الصين.

