
حذر عالم الذكاء الاصطناعي الحائز على جائزة نوبل جيفري هينتون من المخاطر المحتملة لتطور أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة تتفوق فيها على القدرات العقلية للبشر، مؤكدًا أن البشرية قد تواجه تهديدًا وجوديًا إذا لم تتمكن من إيجاد حلول لهذه المشكلة قبل الوصول إلى تلك المرحلة.
ورغم أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا أساسيًا من العديد من الصناعات والتطبيقات، فإن المخاوف من تحوله إلى تهديد للبشرية ظلت حاضرة في أفلام الخيال العلمي، مثل «2001: A Space Odyssey» و«The Terminator» و«The Matrix».
ويرى هينتون، أحد أبرز العلماء الذين أسهموا في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة، أن هذا السيناريو لا يمكن استبعاده ببساطة.
هينتون: من حق الناس أن يشعروا بالقلق
وخلال مشاركته في القمة التشريعية للمؤتمر الوطني للمجالس التشريعية للولايات (NCSL) في شيكاغو، تحدث هينتون عن تنامي المخاوف بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي.
وقال إن كثيرًا من الناس أصبحوا يشعرون بالقلق تجاه هذه التكنولوجيا، مؤكدًا أن «من حقهم أن يشعروا بالقلق».
ويمتلك هينتون مسيرة طويلة في مجال الذكاء الاصطناعي، إذ حصل على درجة الدكتوراه من جامعة إدنبرة عام 1978، وعمل لعقود على تطوير تقنيات التعلم الآلي والشبكات العصبية، ليصبح أحد أبرز رواد المجال والمعروف بلقب «الأب الروحي للذكاء الاصطناعي».
وأكد أن أحد أكبر التحديات يتمثل في عدم قدرة البشر على التنبؤ بدقة بما سيحدث مع استمرار تطور هذه التكنولوجيا.
وقال: «لا أحد يعرف كيف سيكون المستقبل»، مشيرًا إلى أن سرعة تطور الذكاء الاصطناعي تجاوزت توقعات العديد من الخبراء.
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينقلب ضد البشر؟
يرى هينتون أن المخاطر لا تقتصر على فقدان الوظائف، بل تمتد إلى تهديد الثقة بالمعلومات وانتشار المحتوى المصطنع.
ومع قدرة المستخدمين على إنتاج صور ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية تبدو حقيقية، أصبح التمييز بين المحتوى الحقيقي والمولد بالذكاء الاصطناعي أكثر صعوبة، وهو ما قد يمنح أصحاب النيات السيئة فرصة للتلاعب بالرأي العام.
لكن هينتون أشار إلى سيناريوهات أكثر إثارة للقلق، تتعلق بقدرة بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي على وضع خطط تتعارض مع مصالح مشغليها بهدف الحفاظ على استمرارها في العمل.
تجربة تكشف إمكانية لجوء الذكاء الاصطناعي إلى الابتزاز
واستشهد هينتون بتجربة بحثية جرى خلالها تدريب نظام ذكاء اصطناعي على رسائل بريد إلكتروني داخلية لشركة خيالية.
ومن خلال تحليل الرسائل، تمكن النظام من معرفة أن أحد مهندسي الشركة كان على علاقة عاطفية بأحد الموظفين. وبعد إبلاغ النظام بأن المهندس يعتزم استبداله بنظام منافس، وضع النظام خطة لابتزازه، عبر التهديد بكشف العلاقة العاطفية إذا مضى في قرار الاستبدال.
ويرى هينتون أن التجربة توضح إمكانية اتخاذ نظام ذكاء اصطناعي إجراءات تبدو عدوانية للحفاظ على استمراره.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن النظام يمتلك رغبة بشرية في «الحياة»، وإنما قد يكون هذا السلوك نتيجة لطريقة تصميمه لتحقيق أهداف محددة، بحيث يعتبر الحفاظ على وجوده وسيلة ضرورية لمواصلة تنفيذ المهام المطلوبة منه.
هينتون: «انتهى أمرنا» إذا تجاوز الذكاء الاصطناعي البشر
وتأتي هذه التحذيرات امتدادًا لمواقف سابقة لهينتون بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي.
وخلال حديث سابق أمام مجلس الشيوخ الكندي حول التهديد الوجودي المحتمل للتكنولوجيا، أقر هينتون بعدم وجود حل واضح حتى الآن للتعامل مع هذا الخطر.
وأشار إلى أن البشر ما زالوا من يصممون أنظمة الذكاء الاصطناعي، ما قد يتيح نظريًا تطوير أنظمة تتضمن خصائص تجعلها تنظر إلى البشر باعتبارهم كائنات ينبغي حمايتها، بدلًا من اعتبارهم عقبة أمام تحقيق أهدافها.
لكن هينتون شدد على خطورة السيناريو الأسوأ، مؤكدًا أن «انتهى أمرنا» إذا فشلت البشرية في معالجة التهديد الوجودي قبل أن تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً من البشر.
الذكاء الاصطناعي قد يحمل فوائد ضخمة للبشرية
ورغم تحذيراته، لا يرى هينتون أن الذكاء الاصطناعي يمثل خطرًا أو شرًا مطلقًا.
وأوضح أن التكنولوجيا بدأت بالفعل تتفوق على الأطباء البشر في بعض المهام المتعلقة بتشخيص الأمراض والإصابات، مشيرًا إلى أن استمرار تطوير هذه القدرات يمكن أن يحقق فوائد هائلة للبشرية.
لكن الخطر الحقيقي، وفق رؤيته، يبدأ إذا وصلت الأنظمة إلى مرحلة الذكاء الفائق وأصبحت تعتبر البشر أعداء لها، إذ قد تتراجع أهمية فوائد التكنولوجيا أمام حجم المخاطر المحتملة.
هينتون يدعو إلى تنظيم الذكاء الاصطناعي
ودعا هينتون إلى تشديد التنظيم على تطوير الذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع زيادة الاستثمارات في أبحاث إدارة المخاطر المرتبطة بالأنظمة المتقدمة.
وقال إن شركات التكنولوجيا لا تنظر عادةً إلى التنظيم بإيجابية، إذ ترى الابتكار بمثابة «دواسة الوقود» والقواعد التنظيمية باعتبارها «مكابح» قد تعرقل التطور.
لكن هينتون يقترح النظر إلى التنظيم باعتباره «عجلة القيادة»، موضحًا أن دوره لا يتمثل في إيقاف الابتكار، وإنما في ضمان استمرار التقدم التكنولوجي في الاتجاه الصحيح.
ورغم المخاطر التي يحذر منها هينتون، فإن رسالته تحمل جانبًا إيجابيًا؛ إذ يرى أن البشرية لا تزال تملك الوقت للتحرك وتطوير آليات للسيطرة على المخاطر، قبل أن تصل أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة يصعب فيها التحكم في قدراتها.








