
بقلم / نسرين حلس
يشهد العالم في الوقت الراهن أحداثًا متسارعة ومقلقة، من حروب وصراعات سياسية، إلى أزمات اقتصادية وارتفاع غير مسبوق في الأسعار، إضافة إلى تطورات تكنولوجية متلاحقة. هذه التحولات دفعت الكثيرين إلى التساؤل: هل ما نعيشه اليوم هو مجرد أزمات كبيرة عابرة، أم أننا أمام مرحلة تمهّد لظهور نظام عالمي جديد يختلف عمّا عرفناه خلال العقود الماضية؟
فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تشكّل نظام دولي تقوده القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، مستندًا إلى مؤسسات دولية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن. وكان الهدف المعلن هو حفظ السلم العالمي ومنع تكرار الحروب الكبرى
لكن مع مرور الوقت، بدأت الثقة بهذا النظام تتراجع، خاصة مع عجزه الواضح عن وقف النزاعات أو تحقيق العدالة بين الدول
الأحداث الجارية في أكثر من منطقة، لا سيما في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية، أظهرت أن القوانين الدولية لا تُطبّق على الجميع بالمعايير نفسها، وأن مصالح الدول الكبرى كثيرًا ما تتقدم على مبادئ العدالة وحقوق الإنسان
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، دخل العالم مرحلة اتسمت بتركيز ملحوظ في موازين القوة الدولية، إلا أن هذه المرحلة لم تبقَ ثابتة. فمع مرور الوقت، بدأت خريطة العلاقات الدولية تشهد تحولات تدريجية، تزامنت مع بروز قوى دولية جديدة تسعى إلى توسيع حضورها والمشاركة بصورة أكبر في صياغة السياسات والتوجهات العالمية
وتُعد الصين من أبرز هذه القوى، إذ أصبحت واحدة من أكبر الاقتصادات في العالم، وحققت تقدمًا متسارعًا في مجالات التجارة والتكنولوجيا، إلى جانب تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع دول آسيا وإفريقيا والعالم العربي عبر شراكات ومبادرات متعددة. وفي السياق ذاته، تعمل روسيا على تعزيز موقعها الدولي من خلال سياسات خارجية أكثر حضورًا وفاعلية، ساعية إلى تأكيد دورها كطرف مؤثر في القضايا الدولية
هذا الواقع يشير إلى انتقال تدريجي نحو عالم متعدد الأقطاب، تتقاسم فيه عدة قوى النفوذ، دون وجود طرف واحد قادر على التحكم الكامل بمسار الأحداث
فلم تعد الحروب تُخاض بالسلاح فقط، بل بالاقتصاد أيضًا. فالعقوبات الاقتصادية، والحروب التجارية، والتحكم في الطاقة والغذاء، أصبحت أدوات ضغط تستخدمها الدول الكبرى لتحقيق مصالحها
وقد كشفت الأزمات الأخيرة، مثل جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا، هشاشة الاقتصاد العالمي، وأظهرت مدى اعتماد الدول على بعضها البعض. هذا الأمر دفع العديد من الحكومات إلى إعادة التفكير في سياساتها الاقتصادية، والبحث عن الاكتفاء الذاتي وحماية أمنها الغذائي والطاقي
هذا وتلعب التكنولوجيا دورًا متزايد الأهمية في تشكيل موازين القوة العالمية. الذكاء الاصطناعي، والفضاء، والأمن السيبراني، والتحكم في البيانات، كلها أصبحت عوامل حاسمة في الصراع الدولي
إذ لم تعد القوة العسكرية وحدها معيار التفوق، بل بات التقدم العلمي والتقني عنصرًا أساسيًا في تحديد مكانة الدول. وهذا ما أتاح الفرصة لدول وشركات كبرى للعب أدوار مؤثرة على الساحة العالمية، حتى دون امتلاك جيوش ضخمة.
ولا ننسى أنه لا يمكن الحديث عن التحولات العالمية دون التوقف عند الشرق الأوسط، الذي ظل لعقود ومازال ساحة صراع وتنافس بين القوى الدولية. فالأحداث الأخيرة في المنطقة تعكس تراجع قدرة المجتمع الدولي على فرض حلول عادلة، مقابل استمرار سياسة الكيل بمكيالين
هذا الواقع ساهم في تآكل الثقة بالنظام الدولي، ليس فقط لدى الحكومات، بل أيضًا لدى الشعوب، التي باتت ترى أن العدالة الدولية تُطبق بشكل انتقائي، ما يزيد من حالة الغضب وعدم الاستقرار
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن العالم يشهد بالفعل تغيرًا تدريجيًا في موازين القوة، إلا أن هذا التغير لم يصل بعد إلى مرحلة الاستقرار. فالنظام الدولي القائم لم يعد يعمل بالكفاءة نفسها، وفي المقابل لم تتبلور بعد ملامح نظام بديل واضح المعالم.
ورغم الحديث المتزايد عن إمكانية ولادة نظام عالمي أكثر شمولًا وتوازنًا، فإن التجربة التاريخية تشير إلى أن تغيّر مراكز النفوذ لا يعني بالضرورة تغيّر القواعد. فالعدالة الدولية لا تتحقق تلقائيًا مع إعادة توزيع القوة، بل تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، وقواعد جديدة تحظى بتوافق دولي أوسع.
في المحصلة، يبدو أن العالم يمرّ بمرحلة تغيّر كبيرة، لم تعد فيها القواعد القديمة قادرة على تفسير ما يحدث أو التعامل معه بفعالية. فالتوازنات الدولية تشهد تحولات واضحة، لكن ملامح النظام العالمي القادم لم تتضح بعد. وبين الآمال في عالم أكثر توازنًا وعدالة، والمخاوف من استمرار الأزمات والصراعات، يبقى المستقبل مفتوحًا على عدة احتمالات. المؤكد أن السنوات المقبلة ستكون حاسمة، وأن ما يجري اليوم سيترك أثرًا مباشرًا على حياة الشعوب والدول، في عالم لا يزال يبحث عن شكل جديد لتنظيم علاقاته وقواعده
