
طرح باحث مستقل فرضية مثيرة للجدل حول الهرم الأكبر في الجيزة، مفادها أن أبعاده الهندسية قد تتضمن نظامًا عدديًا يرتبط بدورات القمر والكواكب وقياس الزمن، إلا أن الدراسة لم تخضع حتى الآن لمراجعة علمية مستقلة، ولا تقدم دليلًا حاسمًا على وجود «شفرة» فلكية متعمدة في تصميم الهرم.
وقدم الباحث سيفي ليفي هذه الفرضية في دراسة نشرها خلال أغسطس، موضحًا أن ما يصفه بـ«الشفرة» لا يتمثل في نقوش أو كتابات مخفية، وإنما في العلاقات الرياضية بين ارتفاع الهرم وطول قاعدته وزوايا جوانبه وشكله الهندسي العام.
أرقام مرتبطة بدورات فلكية
وبحسب الدراسة، فإن إجراء حسابات على قياسات الهرم باستخدام نسب وكسور كان المصريون القدماء يعرفونها يؤدي إلى أرقام يرى الباحث أنها تتقارب مع قيم مرتبطة بعدد من الدورات الفلكية.
ومن الأمثلة التي يستند إليها ليفي الرقم 27.5، الذي يقترب من مدة تبلغ نحو 27.55 يومًا بين مرورين متتاليين للقمر بنقطة الحضيض، وهي أقرب نقطة في مداره إلى الأرض.
كما أشار إلى نتيجة أخرى بلغت 70، وربطها بالفترة التقريبية التي كان خلالها نجم سيريوس يغيب عن سماء الفجر بسبب قربه الظاهري من الشمس قبل ظهوره مجددًا.
ويربط الباحث الرقم نفسه أيضًا بفترة تقارب 70 يومًا ارتبطت بعملية التحنيط في مصر القديمة، لكنه يقر بأن التشابه العددي وحده لا يثبت وجود علاقة مقصودة بين الظاهرتين.
وأشار ليفي كذلك إلى تطابقات عددية أخرى يعتقد أنها مرتبطة بالدورات الظاهرية لكواكب، من بينها المشتري وزحل والزهرة والمريخ.
هل ظهرت هذه الأنماط بالصدفة؟
ولمحاولة اختبار احتمال ظهور هذه الأنماط بصورة عشوائية، أنشأ الباحث 100 ألف نموذج افتراضي لأهرامات مستوحاة من عمارة عصر الدولة القديمة، مع تغيير أطوال القواعد وزوايا الميل.
وأظهرت المحاكاة أن 2419 نموذجًا، أي نحو 2.4%، حققت عددًا من التطابقات يساوي أو يتجاوز ما وجده الباحث في الهرم الأكبر.
ويرى ليفي أن هذه النتيجة تجعل احتمال المصادفة أقل، لكنه يقر في الوقت نفسه بأن المحاكاة لا تمثل تأكيدًا مستقلًا لنظريته، كما أن أحد الاختبارات الأكثر صرامة التي أجراها جاء بنتيجة غير حاسمة.
كما أشار الباحث إلى مشكلة منهجية مهمة، وهي أن بعض التطابقات العددية ظهرت بعد معرفة القياسات والقيم التي كان يبحث عن مقارنتها بها، وهو ما قد يؤثر في قوة الاستنتاجات.
ماذا يقول التفسير السائد للهرم الأكبر؟
وتختلف فرضية ليفي عن التفسير السائد في علم المصريات، الذي يرى أن الهرم الأكبر شُيد قبل نحو 4500 عام في عهد الملك خوفو باعتباره نصبًا جنائزيًا.
ويستند هذا التفسير إلى مجموعة من الأدلة الأثرية، من بينها التابوت الغرانيت الموجود داخل الهرم، والمجمع الجنائزي المرتبط به، إضافة إلى المقابر الملكية والمنشآت المحيطة بالموقع.
فرضية أخرى تربط الهرم بـ«عين الصحراء»
ولا تقتصر فرضية ليفي على الحسابات الفلكية، إذ يقترح أيضًا وجود صلة محتملة بين شكل الهرم وأسطورة الخلق الهليوبوليتية، التي تتحدث عن ظهور أول أرض من المياه البدائية، ممثلة في تل «بن بن» المرتبط ببداية الخلق في المعتقدات المصرية القديمة.
ويذهب الباحث إلى احتمال أن يكون هذا التصور مرتبطًا بذكرى جغرافية أقدم، ويطرح «عين الصحراء» في موريتانيا باعتبارها موطنًا محتملًا لأسلاف بعيدين للمصريين.
ويفترض أن المنطقة كانت أكثر رطوبة في الماضي، وأن جماعات بشرية ربما غادرتها مع تحول الصحراء إلى بيئة أكثر جفافًا واتجهت شرقًا نحو وادي النيل، حاملة معها ذكريات عن موطنها السابق.
لكن هذه الفرضية تفتقر إلى أدلة أثرية مباشرة تربط «عين الصحراء» بالهرم الأكبر، كما لا توجد أدلة تثبت أن هجرة بشرية من هذا النوع حدثت بالفعل.
فرضية مثيرة دون دليل حاسم
ونُشرت الدراسة على منصتي SSRN وZenodo، ولم تخضع لمراجعة علمية مستقلة حتى الآن.
وبالتالي، تظل النتائج المطروحة فرضية بحثية مثيرة للجدل تجمع بين الهندسة والرياضيات والفلك والأساطير المصرية، لكنها لا تكفي في صورتها الحالية لإثبات أن الهرم الأكبر صُمم بالفعل وفق «شفرة» فلكية متعمدة.
وتبقى الحاجة إلى اختبارات مستقلة ومنهجيات إحصائية أكثر صرامة وأدلة أثرية مباشرة قائمة قبل إمكانية اعتبار هذه الفرضية تفسيرًا بديلًا معتمدًا لتصميم الهرم الأكبر.








