
د.علي زين العابدين الحسيني
كان أستاذنا محمد القاضي الشريف نسبًا -رحمه الله- ممن مَلَكَ حبُّ الكتب واقتناؤها قلبَه، واستولى شغف المعرفة على جانبٍ كبير من حياته؛ فكانت الكتب عنده أكثر من متاع يُقتنى، أو زينة تُوضع على الرفوف، لكنها كانت بالنسبة له أنيسًا لا يملُّه، وصاحبًا لا يستغني عنه، وبابًا يطلُّ منه على عوالم من العلم والحكمة. ولكِبَر سنِّه كان يسألني دومًا عن جديد الكتب، وما ظهر منها، وما يستحق الاقتناء والقراءة أو الاطلاع عليه، وكان إذا اقتنى كتابًا قرأه أو عرف ما فيه، وليس كحالنا؛ نشتري الكتب وربما لا نطالعها، ونملأ بها رفوف المكتبات، ثم نمضي إلى غيرها كأنما كانت غاية اقتنائنا لها أن نملكها، وليس أن ننتفع بما فيها.
لكن كانت زوجته تنهاه دومًا عن شراء الكتب؛ لأنها ترى أن ما لديه يكفيه للمطالعة والبحث، وفوق ذلك هو لا يطيق شراءها؛ لقلة حاله وكثرة مصروفاته الشهرية، فهو أب ذو عيال وصاحب نفقة. وكان هذا يضعه بين شغف لا يستطيع مقاومته، وظروف معيشية لا تساعده على الاستجابة لكلّ ما يتطلع إليه من الكتب، فكان يتطلع إلى الكتاب الجديد كما يتطلع المحب إلى لقاء عزيز طال انتظاره.
فاتفق معي على حيلة طريفة، لا تخلو من دلالة على قوة تعلقه بالقراءة؛ فكنت إذا اشتريتُ له كتابًا وضعته تحت سريره، ولا أضعه في كيس، وهو بعد أيام يُخرجه في هدوء، كأنما يسترد شيئًا عزيزًا افتقده، وتتوالى الكتب التي أشتريها له على هذه الحال، حتى صارت بيننا حكاية صغيرة لا يعرف سرها إلا من شارك فيها.
وفطنتُ بعد مدة إلى أن سريره هو الآخر قد صار مكتبة صغيرة! وكان المشهد يثير في نفسي الضحك والإعجاب معًا؛ فهذا الرجل الذي ضاقت به الحال، وضاق البيت بكثرة الكتب في نظر زوجته، وجد للمعرفة منفذًا حتى في الموضع الذي ينام فيه. ولعل الكتب التي استقرت تحت سريره كانت أصدق تعبيرًا عن شغفه من الكتب التي تتصدر رفوف المكتبات؛ لأنها جاءت ثمرة حاجة صادقة، ورغبة لا يطفئها ضيق المال ولا اعتراض الظروف. وكان اقتناء كتاب جديد بالنسبة له فرحًا بمعرفة جديدة، أو فائدة ينتظر أن تقع عليها عيناه بين الصفحات.
وكان المرحوم يضحك كلما ذكّرته بذلك، ويقول لي: «إن الكتب إذا دخلتِ البيت فلا بدّ أن تجد لها طريقًا إلى صاحبها». وكانت عبارته هذه تختصر حاله، وتكشف عن روحٍ فريدة تعرف كيف تصنع لنفسها سبيلًا إلى ما تحب، وإن أُغلقت دونها بعض الأبواب. وقد بقيت هذه الحكاية في ذاكرتي؛ لأنها تكشف عن وجه من وجوه التعلق بالعلم التي تصنعه المحبة الصادقة التي تستولي على القلب.
وكان المرحوم يوصيني بالصبر على المطالعة، وألا ألتفت إلى شيء غير العلم، ويقول: «العلم سلطانُ مَن لا سلطان له». وهي كلمة تدلّ على خلاصة تجربة، ومعنى عاشه في حياته؛ فقد كان يرى في العلم عزًّا لا تمنحه الأموال، ومكانة لا تتوقف على جاه أو منصب، وقوة يستطيع بها المرء أن يحفظ لنفسه قدرها وإن ضاقت به أسباب الدنيا. ولعل من تمام الوفاء له أن تبقى وصاياه حاضرة في الذاكرة، وأن تُروى للأجيال التي لم تعرفه، لعلها تجد فيها ما يعينها على احتمال مشقة الطلب وطول الطريق.
ولربما سمعتُ اعتراض زوجته على كثرة كتبه وإشغالها البيت، فكان يصبر على كلامها ويقول: «هذه المرأة الصالحة لم تدرك لذة العلم، وأيُّ لذةٍ أعظم من أن يعيش المرء بين الكتب؟! وأيُّ أنسٍ يعدل أن يجد بين يديه كتابًا يفتح له بابًا من الحكمة لم يكن يعرفها؟!». ولم يكن في كلامه انتقاص من زوجته، بقدر ما كان تعبيرًا عن لذة ذاقها، فلم يستطع أن يصفها إلا لمن عاشها وعرف قدرها.
وليس هذا كلّ ما أكنه من مواقف وذكريات نحو هذا الأستاذ الكبير، ولديّ ما أدخره إلى مناسبة قد تحين، أستعيد فيها شيئًا آخر من سيرته وما تركه في نفسي من أثر؛ فبعض الذكريات تظل حية، تستدعيها كلمة أو كتاب أو موقف عابر، ولا تنتهي بانتهاء مجالس أصحابها.
أستاذنا المرحوم مِن أصدق مَن عرفتهم في ولعهم بالمعرفة، يحب الكتب حبًّا صادقًا، ويعرف قدرها، وكان ذلك الحب أصدق عنده من زخرف الدنيا. وما زلتُ أرى في حكايته درسًا يتجاوز حدود الذكرى: أن قيمة الكتاب ليست في امتلاكه، لكنّه في الشغف الذي يدفع إلى قراءته، وأن طالب العلم الصادق قد تضيق به الدنيا، لكنه لا يرضى أن تضيق عليه أبواب المعرفة.







