
د. علي زين العابدين الحسيني
في كل مرة تلامس قدماي أرضًا بعيدة عن مصر، منذ أن غادرتها أول مرة في عام 2007م، مرورًا بإقامات متعددة بين المملكة العربية السعودية وبلاد أخرى، ووصولًا إلى ماليزيا في الوقت الحاضر، أجدني غريبًا بين الناس وإن كثرت الوجوه من حولي. هناك شيء خفيّ في روحي يشتدُّ كلما ابتعدتُ، شيء يشبه النبض القديم الذي يذكّرني بأن للتراب صوتًا، وللوطن رائحة لا تُشبهها رائحة في الأرض.
لم يعد ذلك الحنين مقتصرًا على ملامح الشوارع التي عرفتني صغيرًا، ولا على ظلال الأزقّة التي حفظت خطواتي يومًا، ولا على وجوه الأصدقاء الذين فرّقت بيني وبينهم أقدار السفر لسنوات طويلة. أصبح الحنين اليوم أعمق وأشد التصاقًا بالروح؛ صار صوت القاهرة في رأسي، ورائحة هوائها المختلطة بالغبار والحياة معًا، صار دفءَ الفجر عند السيدة زينب، وأذان المغرب في الحسين، وصوت الباعة في الصباح، ومشهد النيل حين ينساب كأنه شريان ممتد في جسد الوطن.
الغربة عبارة عن روحٍ كاملةٍ مليئة بحكايات وعبر، عن حياة عشتُ فيها آمالًا كبيرة، وحلمتُ أن تكون الجمل العربية أكثر نقاءً، وأن تكون السطور أكثر ثباتًا، وأن تُعاش الكلمات في القلب قبل أن تُكتب على الورق. في مصر تعلمتُ أن الجملة التي تخرج من القلب هي وحدها التي تبلغ القلوب.
وحين خرجتُ إلى الخارج، حاولتُ أن أستفيد من تجارب المكان، وأن أتعلّم من معارف العالم، وأن أوسّع مداركي على قدر ما تسمح به الأيام. رأيتُ مدنًا تتسع ناطحاتها وتضيق أرواحها، وشوارع تلمع بنظافتها لكنها خالية من حرارة البشر. ومع كل ما عشته من تفاصيل وتجارب، كان هناك صوت داخلي يهمس لي كل ليلة: «مصر». هذا الصوت لم يكن مجرد حنين إلى الماضي، وإنما كان شعورًا بأن شيئًا من روحي ما زال هناك ينتظرني، وأن جزءًا منّي لم يغادرها أصلًا.
ما تراه عيناي في بلادٍ بعيدة لا يملأ الفراغ الذي تركته تلك البلاد في داخلي. في مصر، كان للشيخ الذي يحدثك عن العلم مزيدٌ من الوقار والاحترام، وكان للكلمة ثقلها وللنظرة معناها. كانت الجلسات مع الكبار تحت ظلال الأشجار في الحقول، ذات الطابع الخاص الذي لا يُنسى، مجالسَ يغلب عليها الصمت أكثر من الكلام، ومع ذلك كان الصمت فيها أبلغ من خطب طويلة. كانت نظرة الشيخ تكفي لتوقِظ فيك محبة العلم وحب الوطن، وتغرس فيك احترام الكلمة والناس.
وفي مصر أيضًا، كانت الجمل تسكن القلب قبل أن تعبر اللسان. كنتُ كلما احتجتُ إلى إلهام، عدتُ بذاكرتي إلى ذلك الماضي البسيط؛ إلى أماكن ليس فيها تكنولوجيا ولا صخب، لكنها مليئة بالمعاني. أماكن يفيض فيها العلم كما يفيض النهر بالماء، ويعلو فيها صوت الحكمة من أفواه رجال عاشوا قبلنا دهورًا من التجربة، فلم يكن كلامهم مجرد ألفاظ، بل كان خلاصة حياة.
أما اليوم، وفي ظل هذا العالم المتسارع الذي تكاد الأيام فيه تتدافع كصفحات كتابٍ تُقلب بسرعة، فإنني أجد أن مصر تظل جزءًا ثابتًا لا يتغير، مهما تغيّر كل شيء آخر. قد يظن البعض أن الغربة هي ألا تكون بين جدران بلدك، لكن الحقيقة أن الغربة هي ألا تجد رائحة وطنك في روحك، ألا تجد أثره في خطواتك، ألا تجد مكانًا يشبه الذاكرة. الغربة الحقيقية هي أن تمشي كثيرًا ولا تشعر أن الأرض تعرفك.
وأما أنا، فلا أحتاج أن أكون في شوارع القاهرة لأشعر بها؛ فهي حاضرة في كل فكرة أكتبها، في كل كلمةٍ أنطقها، في كل موقفٍ يمر بي. القاهرة تسكن ذاكرتي، وتُضيء طريقي لكل فكرة جديدة، وتذكّرني دائمًا بأن هناك موطنًا ينتظر أبناءه مهما ابتعدوا. هي التي غيّرتني، وربّتني، ومنحتني ما أستطيع به أن أواجه الحياة.
قد يكون للغربة تأثير يجعل الواحد منا يبحث عن نفسه في أماكن جديدة، ويجرّب من العيش ما لم يكن ليجربه لو بقي في أرضه، لكن حين يكون وطنك في قلبك، فإن كل مكان آخر —مهما كان جميلًا— لا يعدو أن يكون محطة عابرة على الجسر الطويل الممتد بين ما نعيش الآن، وما نشتاق أن نعود إليه يومًا.
ولهذا كلما سافرت، وكلما شاهدت مدنًا لم أعرفها من قبل، ازداد يقيني بأن الإنسان لا تغيّره المسافات بقدر ما تغيّره الجذور. والجذور التي غرستها مصر في روحي أقوى من كل رحلة، وأعمق من كل غربة. إنها ليست وطنًا فقط، بل ذاكرة كاملة، وروح ممتدة، ودفء لا يشيخ.
