
د.علي أحمد جديد
كانت سورية القديمة (الطبيعية) مركزاً حضارياً وتجارياً مزدهراً علىٰ مَرِّ العصور ، واستمرت في لعب دَورٍ مركزي خلال العصور الوسطىٰ وصولاً إلىٰ العصور الحديثة من خلال حاضِرَتَيّ التجارة والصناعة فيها ، أي دمشق ( أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ ) و حلب ( أقدم مدينة في التاريخ) وهما لؤلؤتي الاقتصاد السوري منذ القدم وحتىٰ اليوم ، والمُنطلَق في صناعة مستقبل سورية الحالية ، كونها الممر الحتمي لكل الحضارات التي عرفها التاريخ الإنساني . وكان السوريون أول مَن جسَّد فكرةَ “تواصل العقول وصنع المستقبل” من خلال كتابة الأبجدية بحروفها المسمارية الفريدة التي يؤكد الباحثون بأنها أول أبجدية معروفة للبشر في التاريخ الإنساني و أُمُّ الأبجديات في العالم ، وهي الأبجدية التي اكشفتها بعثةُ التنقيب الأثري في موقع (أوغاريت) من الساحل السوري عام 1928 علىٰ شكل مجموعة من الرُّقُم (الألواح الطينية) بلغ عددها خمسة آلاف لوحاً طينياً تتوزع مضامينها بين القصائد الملحمية والنصوص الدينية ، وبين الأوامر الإدارية والقواعد القانونية والعقود التجارية التي لم تكن معروفةً في التعامل والتداول إلا عند السوريين . وقد استَخدَمَت أبجديةُ أوغاريت المسمارية ثلاثين حرفاً بين ساكنٍ ومتحرِّكٍ بدلاً من مئات الرموز التي قامت عليها الكتابات المسمارية الأخرىٰ التي كانت قبلها ، وهو ما جعل الكتابة الأوغاريتية أسهل وأكثر مرونةٍ في إنجاز التعاملات اليومية ، الإدارية منها والتجارية . وقد فُتِنَ السوريون القدماء بهذه الأبجدية الفريدة والرائعة ، فكتبوا بحروفها كل شيء ، تقريباً ، من يوميات القصور إلىٰ الصلوات والطقوس الدينية ، مروراً بالحسابات وبسجلات المخازن ، علاوةً علىٰ النصوص القانونية والرسائل الدبلوماسية والنتاجات الشعرية والقصصية ،
وهو ما أشارت إلىٰ بوادره المبكرة الرُّقُمُ الطينية المسمارية التي عَثَر عليها الباحثون في مكتبةٍ ضمن آثار ( تل مرديخ ) من مملكتي “إيبلا و ماري” المتنافستين في عصرهما قبل العصر الأوغاريتي بحوالي ألفٍ من الأعوام .تتمة ..
ومن أوغاريت نفسها أيضاً ، جاءت الألحان والمعزوفات الموسيقية ، وكذلك من مملكة ماري ، حيث تشير نتائج البحوث الأثرية إلىٰ ازدهار الموسيقى السورية القديمة وإلىٰ دورها في حياة المجتمع السوري الذي عرف مبكراً الآلات الوترية والإيقاعية ، مثل القيثارة بأوتارها السبعة ، إضافة إلىٰ نصوص تتحدث عن الهيكل التنظيمي للفرق الموسيقية الخاصة بالقصر الملكي . وبذلك يكون السوريون ـ في مملكة أوغاريت علىٰ وجه الخصوص ـ قد كتبوا أقدم تدوينٍ موسيقي تمَّ اكتشافه حتىٰ اليوم .
ورغم أن الأبجدية الأوغاريتية لم يُكتَب لها الانتشار علىٰ نطاق جغرافي واسع ، إلا أن مبادئها في التجريد والتبسيط ساعدت علىٰ خلق العديد من أنظمة الكتابات الأخرىٰ التي تمَّ استنباطها منها ، مثل الفينيقية والآرامية السريانية والعربية والعبرية والإغريقية اليونانية .. واللاتينية . ومن بعد الأوغاريتية جاءت هيمنة الأبجدية الفينيقية ، ثم الآرامية التي أصبحت لغة الإدارة والدبلوماسية في الشرق القديم كله ، وذلك بدءاً من القرن الخامس قبل الميلاد ، والتي استمرت فعاليتُها في العصر الكلاسيكي ، اليوناني والروماني ، لتصبح لغةَ التواصل العالمية وتوثيق المراسلات التجارية والدبلوماسية ، من سورية إلىٰ العراق ومصر وقسطنطينية وأوروبا ، وحتىٰ روسيا والصين . وظلت الأوغاريتية اللغة المعتمدة في كثير من المجالات والمعاملات ، وهي التي تحدّث بها السيد المسيح (عليه السلام) ونشر بها رسالة السلام للعالم . ومن الآرامية تولَّدت الأبجدية السريانية التي كان لها تأثيرها البالغ في اللغة العربية كما يتحدث بها السوريون اليوم والتي نقلت بدورها كلماتٍ كثيرةً منها إلىٰ باقي لغات العالم الأخرىٰ .
إلا أن سورية القديمة لم تكن مجردَ أبجدية لغوية للكتابة أو مجرد نتاج موسيقي للاستمتاع وحسب ، وإنما كانت أول حضارةٍ إنسانيةٍ مزدهرة عرفها التاريخ البشري ، وكانت زاخرةً بأنشطتها التجارية والزراعية والعلمية علىٰ اختلاف المجالات . وقد ظهرت في سورية مجتمعات زراعية مبكِّرة تطورت عبر مراحل متتابعة أعقبت التحول من مرحلة الصيد والالتقاط إلىٰ مرحلة الاستقرار والإنتاج المستدام ، ثم صناعة الفخار والزجاج وفقاً لنتائج الحفريات الأثرية ، لأنها طوَّرت الجماعات التي سكنت مواقع متعددة من سورية الطبيعية في مطلع الألفية الرابعة قبل الميلاد ، كما طوّرت طرقاً مبتكرةً لقياس وحساب وتبادل فائض الإنتاج الزراعي من خلال سجلاتٍ طينية متنوعة ، ماساعد علىٰ خلق التوثيقات قبل ظهور الكتابة المسمارية وتطورها في أشكالها اللاحقة ، وهو ما أسَّسَ لبروز اقتصاد العصر البرونزي بكل ما تمخَّض عنه من منجزات حضارية وإنسانية كانت لها مكانتها العظيم الحقيقية) بمعناها الضيق ، إذ أن المعيار المُميِّز هو أن الأبجديات الحقيقية تقوم دائماً بتعيين رموز لكلٍّ من الحروف الساكنة والحروف المتحركة علىٰ قدم المساواة ، في حين أن الرموز في الأبجديات الساكنة تشمل الحروف الساكنة فقط . وقد تَستخدِم الأبجدية غير النقية علامات التشكيل أو بعض الرموز لتمثيل حروف العِلّة لأن الأبجدية الحقيقية الأولىٰ التي هي الأبجدية الآرامية ثم الفينيقية و السريانية ومن بعدها الإغريقية (اليونانية) ، والتي تمّ تكييفها من الأبجدية الفينيقية . ولكن لا يعتقد جميع العلماء واللغويين أن هذا يكفي لتجريد المعنىٰ الأصلي للأبجدية من المعنىٰ الأصلي الذي يحتوي علىٰ أحرف العلّة والحروف الساكنة . فالأبجدية اللاتينية ، والتي هي الأكثر استخداماً اليوم ، مشتقة بدورها من الأبجدية الأترورية ، وهي نفسها مشتقة من الأبجدية المسمارية والسيريانية القديمة و الفينيقية . وبهذا تكون الأبجدية المسمارية (الأوغاريتية) هي أمّ الأبجديات في تاريخ الحضارات الإنسانية
