
د. علي زين العابدين الحسيني
لا ريب أن في حياة كل إنسان مشهدًا لا يُنسى، لحظة يظنها عابرة، فإذا بها تُقيم في القلب عمرًا كاملًا، تتسلّل إلى جوانحك بهدوء، ثمّ تظلّ تُنبت فيك المعنى كلّما ظننت أن المعاني قد جفّت.
ومن تلك المشاهد التي لم تفارقني، ولا أظنّها ستفعل: دخولي على أستاذي الأكبر محمد رجب البيومي -رحمه الله- في مكتبته. وأقول “مكتبته” عن عمد؛ لأن الرجل كان يعيش فيها، لا كما يعيش الناس في بيوتهم، وإنما كما يسكن القلب في صدر صاحبه، لا يفارقه إلا بالموت.
كان البيت كله مكتبة، بل كان البيت كلّه كتابًا مفتوحًا، تتنقّل فيه ما بين رفوف ممتدة، وأكوام من الكتب لا تكاد تجد لها موضعًا منتظمًا، ومجلات قديمة تُجاور الصحف، وأوراق بخط اليد تنتثر على أطراف الطاولات وكأنها أطراف روح كاتبها، وصور لأساتذته وأرباب الأدب والفكر زين بها جدران بيته.
هناك طاولة مليئة بالكتب والمجلات، فوقها عدسة مكبّرة، يقرأ بها وهو في أشدّ حالات التركيز، وهناك كومة من أعداد الرسالة، مطويّة بعض أوراقها، تنتظر من حين لآخر أن تعود إلى مجلس المذاكرة.
لم يقف الرجل عند علوم الأزهر، بل امتدّ بنظره إلى الفضاء الرحيب فقرأ مناهج الجامعة المصرية والصحف الأدبية، ودرس ما تيسر له من الكتب العلمية الحديثة ومناهج التربية والفلسفة وعلم النفس.
حين دخلتُ عليه، شعرت أنني دخلتُ على مشهد ليس من الدنيا المعتادة؛ فالرجل يعيش في زمن غير زمنه، ويصاحب رجالًا غير أولئك الذين نعرفهم، تسيطر عليه فكرة الحياة مع أساتذته، فهو وإن فارق أجسادهم، إلا أنه معهم بروحه، ينشغل بفكرهم، ويراجع مقالاتهم، ويستحضر مواقفهم، ويعقد المقارنات بين آرائهم بصفة مستمرة، وله مقام كريم في حفظ كثير من الأقوال والروايات عن مشايخه وأساتذته.
لقد كان أستاذنا البيومي من أقدر تلاميذ أدباء القرن الماضي على سبر غورهم، واستشفاف سرائرهم، والولوج إلى أصفى المستشف من أعماقهم، ويزيد عن غيره في كتابته عنهم: سطوع فكره، ونصوع رأيه، وأنه يتكلم محايدًا عن إنسانٍ خالفه حيًّا، وحفظ له مكانه راحلًا.
لم يكن المكان مكانًا عاديًّا، كان مقامًا من مقامات العلم الشامخة، فوضى الكتب تلك لم تكن عشوائية، وإنما فوضى مقدسة، لا يضبطها إلا قلبٌ أحبّ المعرفة حتى سالت منه، ثم تجسدت حوله في كل شكل ولون.
كان المشهد أشبه بساحة حرب فكرية، لكنّها حرب لا يُراد بها دمار، بل بناء؛ لا خراب فيها، بل تراكمٌ لجدران المعرفة على هيئة صمتٍ طويل وكدٍّ شاقّ، وصبرٍ لا يُحتمل إلا بمن أحبّ ما يفعل.
سألته -وأنا أعلم أن حياته لا تعرف راحة من القراءة والكتابة وما يتصل بهما:-
“كم ساعة تقرأ يا أستاذي؟” فنظر إليّ كأن السؤال لا محل له من الإعراب، ثم قال بهدوءه المعهود: “لا تقلّ عن أربع عشرة ساعة، بل تزيد”، ثم سكتَ.
وفهمتُ من سكوته ما لا يُقال، أن هذا الرقم مجرد حدّ أدنى، وأن الساعات الأربع والعشرين لا ينال منها شيئًا إلا بقدر ما يحتاجه الجسد للنوم، ولا شيء سوى ذلك يقطّعها غير الصلوات، أو لقيمات قليلة تسند بها نفسه ليعود إلى معركته المقدسة في مكتبته التي ارتضاها محل عزلته عن كلّ صخبٍ في الدنيا.
وسكتُّ أنا أيضًا، فما كنت لأزيد على ما قاله؛ لأن في كلامه ما يُغني عن كل وصف، وما يفتح الفكر لاستنباط أي حكم.
لقد دخلت مكتبات كثيرة في بلدان كثيرة، وجلست إلى علماء كثيرين في شتى أسفاري وزياراتي، وكان لكل عالمٍ مهابة، ولكل مكتبةٍ جاذبية، لكنّي ما رأيت مشهدًا أقدس من مشهد أستاذي البيومي بين كتبه، وما رأيت في حياتي كلها رجلًا أعطى للكتابة قدسيتها مثله.
لقد كان الكتاب عنده كائنًا حيًّا، لا يُقلب صفحاته إلا بخشوع، ولا يُكتب فيه إلا بإذنٍ من قلبٍ امتلأ علمًا وأدبًا وورعًا، وكان إذا كتب، كأنما يصبّ من روحه على الورق، حتى ليكاد القارئ يشعر أنه يسمعه وهو يقرأ، وينظر في وجهه وهو يخطّ.
أدركت يومها أن الكتابة ليست صنعة، وإنما عبادة شريفة وملازمة تامة وضرورة لا تقل عن ضرورة الطعام والشراب، وأن القلم إذا وُضع في يد صادق صار شبيهًا بالسراج، ينير لا لمجده الشخصي، وإنما ليُضيء للناس طريقهم.
عرفت هناك أن أستاذي لا يكتب ليُقال كتب، ولا ليُمدَح، وإنما لأنه لا يستطيع أن لا يكتب.
إنه من أولئك الذين لو مُنعوا من الورق والحبر كتبوا على الجدران، أو نقشوا على الهواء إن اضطروا!
وقد بقي ذلك المشهد -يوم دخلت عليه- من أعظم ما طُبع في ذاكرتي، وكنتُ كلما مرّ بي تعب الكتابة، أو راودتني لحظة ضعف في الطلب، أستحضر وجهه الشريف المنهمك، وعينه التي لا تكاد تفارق السطور، وعدسته المكبرة، وأعداد مجلة “الرسالة الزياتية” المتناثرة، وصوته الرقيق حين قال لي: “لا تقلّ القراءة عندي عن أربع عشرة ساعة”.
فأقول في نفسي: هكذا تصنع الرجال، وهكذا تُكتب المؤلفات العظيمة، وهكذا تَسكنُ الكلمةُ في القلب، قبل أن تُسكب على الورق.
