
د. علي زين العابدين الحسيني
لم أؤمن يومًا بأن النباهة تقاس بامتلاك “مشروع” معلن أو مُسطّر في عناوين براقة، تُزيّن بها السير، أو تُرفع في المؤتمرات والندوات. هذا الاشتراط –فيما أراه– فيه نظر، وظلم لشرائح من الناس لا تقل فطنتهم عن أولئك الذين يطلقون المشروعات من الصفر؛ لأن النباهة عندي وصف أوسع من أن يُضيق عليه بإطار واحد أو تعريف جامد؛ فهي حدة الذهن حين يتطلب الموقف ذكاءً عاجلًا، وجودة الإدراك حين تختلط الأمور على الناس، ورجاحة الحكم حين تضطرب الأهواء، وصفاء الفطنة حين يختفي المعنى وراء ضباب التفاصيل.
وقد تتجلى هذه النباهة في صور شتى؛ قد تراها في كلمة موضوعة في موضعها، أو في موقف يُدرك صاحبه أبعاده قبل أن يلحظها الآخرون، أو في قرار يحفظ به إرثًا من الضياع. ومع طول التجربة أدركت أن هذه الصور، وإن بدت صغيرة في أعين الناس، فإن أثرها قد يمتد عقودًا.
وأعجب -حقًا- من الذين يختزلون النباهة أو النجاح في أن يكون للمرء “مشروع” يبدأ من الصفر، كأنما قيمة المرء لا تثبت إلا بإنشاء ما لم يسبق إليه أحد! لأن النباهة تندرج تحتها جزئيات كثيرة، فمن النباهة ذاتها أن يقدّر الإنسان مشروعًا قائمًا، فيراه أهلًا لأن يُحمل على الكاهل، فيسهم في المحافظة عليه، أو يرفده بخدمة صامتة، أو يسد ثغرة لم يلتفت إليها المنشئون الأوائل. ولو تأملنا النهضات الكبرى في تاريخ الأمم، لوجدنا أن المؤسسين لم يكونوا وحدهم أرباب الفضل، لأنه وجد بجانبهم جنودٌ صابرون، ومساندون باذلون، يثبتون عند المفاصل الحاسمة، ويحفظون السير من الانقطاع، ويصونون الأثر من التبدد.
أفنهمل نباهة رجلٍ أعاد إحياء تراث علمي نسيه الناس، فجمع نسخه، وحققه، وقرّبه للباحثين، أو نباهة آخر أعاد صياغة قديم في عرض جديد، يليق بوعي العصر، أو نباهة ثالث اختصر موسوعات مطوّلة لتلائم ذهن طالب مبتدئ، بحجة أن هؤلاء لم يكونوا هم البادئين الأوائل؟! إن هذا لظلم بيّن، وهو ظلم لا يقع على الأفراد وحدهم، وإنما على الفكرة نفسها التي يُحرم تاريخها من شهودٍ أمناء.
وقد علمتني الحياة أن مفهوم “المشروع” لا يخلو من لبس؛ فكثيرًا ما يُطلق على اجتهاد شخصي لم يبلغ حد النضج، أو طموح ذاتي محصور في حدود صاحبه، بينما تُهمّش مساهمات عميقة وبعيدة الأثر لأنها بلا لافتة معلنة. وقد شهدت –بعيني– تجارب لأشخاص كانوا يملكون مشاريع رنانة على الورق، لكنهم لم يستطيعوا الصمود أمام أول اختبار عملي، بينما كان بجانبهم من يكدّ في صمت، حتى إذا انتهت الضوضاء بقي عمله هو الباقي.
وهنا يكون السؤال: من ذا الذي يملك أن يحكم بأن لفلان مشروعًا، ولآخر ليس له؟ أهو حكم جماهيري يقاس بضجيج الإعلام وحرارة التصفيق، أم هو حكم معرفي يستند إلى البنية والمردود، وينظر إلى ما تتركه الأيدي بعد انصراف أصحابها؟ أهو مقياس ظاهري يعتمد على العناوين والأشكال، أم مقياس بنيوي يتغلغل في الجوهر، ويعرف أن بعض المشاريع العظيمة لا تحتاج لاسم، وإنما تكفيها بصمة خفية؟
حين أطالع ما مرّ بي من أعوام، أجدني في مواقف شتى اخترت فيها أن أكون في الصفوف الثانية، أعمل بصمت وأرقب اللحظة المناسبة. لم يكن ذلك ضعفًا في العزم، ولا قلة في الطموح، لكنه إدراكٌ أن الوجود المساند أحيانًا أجدى من الوجود المؤسس. فالصف الأول يواجه العواصف، لكن الصف الثاني يضمن أن السفينة تمضي إذا أنهك الربان. رأيت في عيون بعض من عرفتهم نكرانًا لهذه القيمة، إذ كانوا يحسبون أن البريق وحده هو الدليل على النباهة، بينما كنت أرى –وأشهد من وقائع التاريخ– أن البريق كثيرًا ما يخدع، وأن ما يدوم هو ما يعمل في صمت ويؤتي أكله مع الزمن.
وأذكر أنني في إحدى المرات وجدت مشروعًا علميًا كبيرًا على وشك الانهيار، لأن القائمين عليه انشغلوا بالجدل أكثر من العمل، فتوليت –دون إعلان– ما يضمن استمراره. لم أضف فكرة جديدة لجوهر المشروع، لكنني أزلت عنه غبار الخلاف، وربطت بين أطرافه المبعثرة، حتى إذا استقام عاد أصحابه إلى الميدان وكأن شيئًا لم يكن. لم يذكرني أحد في قصته، لكنني كنت أعلم -وأكتفي بعلمي- أن بصمتي ستظل فيه ما بقي قائمًا.
إننا حين نحصر النباهة في وجود “مشروع” بالمعنى الشائع، فإننا نظلم نبلاء الحضور، وأرباب المساندة، وحراس المعنى الذين كانت بصيرتهم أن يَخدموا لا أن يتصدروا. وكثيرًا ما تكون النباهة الحقّة في تقدير اللحظة التاريخية، والوعي بمقتضياتها، والتعامل معها بما يليق، لا في ابتداع ما لم يكن. وليس من العدل أن نقيس جميع الأدوار بمسطرة واحدة، وكأن العمل المعرفي أو الثقافي لا قيمة له إلا إن كان في الصف الأول.
ولذلك فإنني أؤمن أن لكل دور فطنته، ولكل موقع نبوغه، وأن المشروعات العظيمة كثيرًا ما تعيش بالذين يحملونها من الخلف كما تعيش بالذين أطلقوها في البدء. وأن النباهة -في أصدق صورها- ليست امتلاك مشروع، لكنها امتلاك البصيرة التي تعرف متى تبدأ، ومتى تدعم، ومتى تترك المجال لغيرك، وأنت مطمئن أنك قمت بواجبك.
لا ريب أن النباهة مرآة واسعة، تتسع لتعكس كل صورة صادقة من صور العمل النافع، مهما بدا صغيرًا أو خفيًّا، والتاريخ في النهاية لا يكتب الأسماء وحدها، وإنما يسجل المعاني التي أثبتت قدرتها على البقاء.








