
إبراهيم الديب
الأستاذ بكر شخص مسالم : يميل للانطواء يجد متعة في التأمل علاقته بمن يعرف من الناس لا ترقى لمفهوم الصداقة المتعارف عليها فلم يسعى إليه يوماً أحد معارفه يفض إليه مكنون نفسه لإدراكه أن العلاقة بينهما لا تسمح بذلك، وهي أسباب حاول كثيراً الوقوف على سرها، وخلص لنتيجة انه بعيداً عن الذكاء الاجتماعي في علاقته بمن يعرف من مجاملات اسمها الحقيقي نفاقا وابغض شيء الى نفسه ممارسة مثل الطقوس الكاذبة الأستاذ بكر قارئ جيد ولكنه لم يحاول لمرة واحدة توظيف معرفته العميقة العاكف عليها في حياة داخلية يستعيدها بينه وبين من حين لآخر مستلذا بمناقشتها ذهنياً تملأ عليه أقطار نفسه، ولم يدر بخلده يوماً اخبار غيره ، عله ينال به ما يستحق من تقدير .
اخذت تلح عليه أخيرا رغبة لو أن الناس تعرفه على حقيقته وتتجول بداخل عقله ونفسه ،ولكن تبقى مشكلة فهو لا يجيد عرض ما يعرفه على غيره وكأنه يعيش خارج الزمان والمكان ، لعل تكوينه النفسي شديد الخجل والحساسية وعدم ثقة يفتقدها في نفسه، وأن ثقافته الموسوعية ؛ أنها كفيلة في حال اطلاع الناس عليها نيله مكانة بها في نفوس الآخرين يستحقها ، وعدم جرأته المجاهرة برأيه وبما حصل من ثقافة فيتراجع عن ذلك و يستمر في اطلاعه وكتاباته يناقش قضايا فكرية معقدة، وتسجليه لخواطر وقصص ، لا يلقي لها بالا، فلم يحسب نفسه يوماً كاتبا ولكنها كتابة لحد ما ،او بمعنى من المعاني عملية أقرب للعب العقلي والنفسي يستمتع بها.
الرجل موظف بريد يعيش حياة :هادئة خالية من الاضطراب والتوتر، بما يتوافق مع ميوله وتكوينه النفسي: مظهره الخارجي يعطى انطباع عنه بالدعة والسكينة والهدوء والسلام النفسي؛ أما داخله فثائراً قلقاً متوتراً ، لعدم توافق الظاهر مع الباطن فالرجل يعيش غير ما يبطن ويتمتع بثقافة أكبر من عقله الذي له قدرة على تنظيمها: لا يقف أحد من أفراد أسرته على داخل الرجل وسبب عديم حديثه عما يعرف بعد محاولته ذلك مرة واحدة بعد عرضه مما كتب من قصص على زوجته منتظراً اطرائها عليه فنظرت تجاهه في غضب قبل تناولها الأجندة بعصبية ودون النظر فيها أو قراءة حرفا واحداً: قامت بنزع الورقة المدون فوق سطورها القصة ومزقتها والقت بها إلى الأرض وجعلتها تحت قدميها تذهب للأمام والخلف عليها ،ثم صرخت في وجهه طالبة منه القيام بشيء نافع مرة واحدة في حياته ، ماذا استفدنا من ثقافتك وكتبك غير إضاعة الوقت والمال الذي تنفقه لشرائها، و ونظرك فيها ليل نهار.
بعد زيارة الأستاذ بكر للطبيب النفسي بناء على نصيحة احد زملاءه في العمل أخبره الطبيب بعد الانصات إليه عدة جلسات أن لزوجته دور كبير فى انسحابه من الحياة ومضاعفة إحساسه؛ بالقلق والاكتئاب والشرود الذهني ، كانت دهشة الطبيب كبيرة بعد وقوفه على ثقافة الأستاذ بكر الموسوعية وطمئنه بأنه أحد أفراد شريحة عريضة من المجتمع تعاني مما يشكو منه، وأن ما يتمتع به ميزة وليست مرضا فهذه صفات تفرد الاديب والفنان والأديب . بمرور الأيام دور الأستاذ بكر في البيت يوازيه نجاح زوجته في السيطرة على شئونه و الاستحواذ على عقول ونفوس أولاده فترك المسؤولية مفضلا عدم الصدام ولم يعد للرجل غير القراءة والكتابة يأوي إليها في حياة داخلية أشد ثراء وجمالاً من واقع يرفضه عند حديث زوجته عنه مع أولادها فمن باب الاستخفاف به ، وأن ندمها سيدخل معها القبر لمجرد لكونها وافقت على الزواج منه وزاد ندمها في الفترة الأخيرة بعد تقدمه في العمر، ولكونه أصبح لشبه عبء على الأسرة، وغمزت ولمزت على زيارته للطبيب النفسي، ليفهم حديثها بأنه شخص غير سوي ، فى طريقه للجنون .
تجدد نزاع قديم بين الأستاذ بكر وبين مع الجيران ؛ على قطعة أرض, كل منهما يدعي ملكيتها , ولدى كل طرف أوراق وبصفته رب الاسرة ، فلابد من رفع قضية باسمه ، ومتابعة القضية بالذهاب للمحاكم ولقاء المحامي ، ليجد الرجل نفسه فجأة محور اهتمام الأسرة ووجد نفسه مطلوباً منهم ويقضون معه وقتا طويلاً يناقشون في تفاصيل القضية التي ساعدته ثقافته كثيراً في عرض وجهة نظره بأسلوب رشيق سلس متدفق وبعد نظر في الحياة يتمتع به ليكتشف الرجل قدرته على حكي جذاب ادهش اولاده ليقفوا لأول مرة على يتمتع به والدهم من ثقافة ويعرفونه على حقيقته.
أدرك أن القضية بوابة دخوله للحياة من أوسع أبوابها ولذلك لا يرغب ؛ في انتهاء عملية التقاضي حتى وإن تنازل عنها الجيران له بعد رفضه لحل ودي على غير المتوقع ، فلم يعد يعنيه كسب القضية أو خسارتها في الأساس، قدر حرصه الاستمرار في الاحساس بأهميته ، برغبة من يسعون اليه بالصلح ، ومجموعة أخرى تريد لقائه للوقوف على سبب الرفض فكان يتعلل بضيق الوقت فهناك مسائل قانونية لها صلة بالقضية يعكف عليها في الوقت الحالي ونجح في توظيف خلافه مع الجيران ليظل الاهتمام به على اشده ، و كان إحساسا بالغ السعادة يشعر به الرجل عندما يتحلق الناس حوله أثناء وجوده في المقهى فيطلق كل ما بداخله من صمت لاذ به الماضي قسراً ، ليستدعي دون شعور منه مخزونه الثقافي بقوة اللفظ والمعنى ذابحا خجله وترددا عقد لسانه لفترة طويلة. !
