
قصة: السيد أحمد حمزة – مصر
قالت الجدة لأحد الآباء ابنها الأصغر رابح ناصحةً:
- ابن هلال لا يُصاحَب أو يُرافَق .. لا تأخذه رفيقًا أو صديقًا .. ابن هلال من عرق غادر .. أب وأم .. والعرق دساس … يا ولدى .
كان ابن هلال أزرق الجلدة، ذو ملامح زنجيَّة ، فى تقاسيم الوجه ،ولون البشرة ، ورسم الأنف المفلطح وفتحتيه الواسعتين .. والشفتين الغليظتين ، فارع الطول ، نحيف ومنحوت الملامح ، يلمع جلده كتمثال أبنوسى . لم يسمع لها الأب رابح ، رغم أنها تَعدُّه النابهة والفهامة بين أولادها وأحفادها .. كبيرهم وصغيرهم ، هو أول من فكر ، فى امتلاك سريرٍ من خشب فى دارها ، كانت الأسرَّة تُصْنع من جريد النخل ، أو يكون السرير مصطبة ، توضع عليها المرتبة والوسائد والأغطية . اتفق مع صديقه “رياض” ، كان زميله فى الخدمة العسكرية ، وكان رياض نجارًا ، أصطحبه إلى الدار فى إجازات متعاقبة ، شقَّ سيقان وفروع أشجار”الزنزلخت والكافور ، وأشجار الجازورين” فى منشار “شوقى” الكهربى ، شقَّها ..فصارت ألواحًا ، عمل منها سريرًا لأمه وسريرًا له ، وسريرًا لأخيه الكبير وعياله ، وعمل اثنين “كوميدينو” ودولابًا له ، كوَّن غرفة نوم كاملة ، كانت أمه وأخوته ، قدعقدوا النية معه ،على أن يدخل دنيا ،ويتزوج ، بعد ما ينتهي من الخدمة العسكرية .. ويُسلٌم مهماته ،وينتهى ويخرج من . امتد صيام “رياض” النجار وعمله فى الأسرَّة طويلاً ، فأمرت الجدة واحدة من النسوة زوجات أبنائها الأباء ، بإعداد طعامًا صائمًا له كل يوم ، ودعت الله أن يتقبَّل صيامه وطاعته . اشترى “الشَّمْلُول”رابح” كما أطلقت عليه الجدة طوال حياته بعد ذلك ، اشترى جهاز تسجيل ، كان يضعه فى وسط الدار ، ويدوس على الزر ، ويرفع الصوت ، فيصدح الشاعر “فتحى سليمان” ، وينْشد قصّصَ السيرة الهلالية ، كان الأباء والجدَّة ينسجمون مع غناء وحكْى الشاعر، ويتمايلون طربًا مع الموسيقى ، حين يحمو الإنشاد ، مع الأحداث الحماسية فى قصة “أبو زيد الهلالي” ، أو قصص الأميرة “شيحة” بارعة الجمال وشديدة الدهاء ، وسيرة الأمير “ذياب ابن غانم” ، وقصة “زهرة ومرعى” أو “عزيزة ويونس” ، ويتململون .. متألمين حين يستمعون إلى المواقف الصعبة.. الشجية المؤثرة فى النفس، ويفرحون مع المقاطع المبهجة ،أويتمتمون مع الإنشاد الدينى للشيخ “شرف المنباوى أو الشيخ محمد عبد الهادى” وغيرهم ، الذين كانوا مع الانشاد ، يرْوون القصص ذات العبر والمواعظ .
كانت الجدة والآباء ساعات الصفاء، ينصبون حلقات الذكر ،فى وسط الدار البرَّانى أو الجوَّانى ، وكانوا ينخرطون .. ويتيهون فى الملكوت ، مع إنشاد وذكر ونغمات “العربى فرحان البلبيسي” ، وهو يمدح سيدنا النبى ، ويردّدون “الله حى .. حى .. حى” ، التى تخرج من الحلوق مبحوحة ، كروح تود الخروج والتحليق ، إلى الرفيق الأعلى ، وتعلو الصفقات والصيْحات مناجية رب الأراضين والسماوات.
كان رابح يستقبل أصحابه بالليل ويستضيفهم أمام “المتْبن” قاعة التبن التى تجاورالغرفة المؤجرة “لعبد الحميد أبو زربة”، وكان من بينهم ابن هلال.
فى جلساتهم يتسامرون ، ويشربون المعسل بالحشيش ، تحت شجرة توت عتيقة ، عظيمة الظلال فى النهار وتحتها ومحيطها شديد الظلام .. ظلمة كحل بالليل ، بجوار شجرة خوخ سكَّرى ، وشجرة برْتقال ويوسفى ، وشجرة جوافة حمراء وشجرة جُلَّنار .. وشجرة مانجو “بيض العجل” ، مُحاطين بسياج من أشجار الياسمين والفل ، وشجيرات الورد البلدى بألوانه المبهجة ورائحته المنعشة ، جنة صغيرة يسهرون داخلها ، كانوا يتراهنون على ،من يذهب إلى المقابر ، فى ساعة متأخرة من الليل ، ويأخذ” الحصيرة” ويفرشها ، تحت النخلة فى شارع مقابر “على أفندى” ويضع فى وسط الحصيرة قُلَّة الماء الفخار ، ويد الهون النحاس ويرجع، ثم يقوم اثنان أوثلاثة منهم ، بالذهاب إلى المقابر ، كى يُحضروا الحصيرة ،ويد الهون والقُلّة ،من تحت النخلة، ليتأكدوا أنه ذهب بالفعل ، وأثبت أن قلبه جامد لا يهاب عفاريت المقابر . أراد “الزَّرْنَؤُتِى” أن يتحدَّى .. ويُظهر شجاعته ،وأن قلبه قاعدة خرسانية ضخمة ،فى وسط الماء ،لعمود فى جسر على النهر، اقترح .. يذهب إلى المقابر ، ويفرش الحصيرة . فوافقوا مبتسمين ،ونظروا إلى بعض ماكرين كثعالب .. واتفقوا من ورائه ، أن يرتدى ابن هلال “جلابية” أمه تفصيلية أم سفرة السوداء ، على سواده ، ويذهب يقعد له، فى حوض سبيل ماء أبو عامر ،الذى يقع فى أول شارع أو زقاق ، من أزقة المقابر من ناحية القرية ، وفى الرجوع يلْبد له فى معْجَنة طين “نابِت” تاجر الطوب اللبن ،فى منتصف الطريق ،ويقبّص جواليص الطين ،ويلطمها ببعض،فتصدر ذلك الصوت الذى يرن كطبلة.
قالت الجدة لهم فى إحدى الأمسيات وهى تشرب الشاى معهم :
- ليس صاحبًا من يخون العيش والملح ، أو يتخاذل فى الموآزرة أو يسرق من أصحابه ، أو يتأخر عن واجب ، فى عرس أو مأتم أو مساعدة فى إنهاء عمل .
أنْشَد الشاعر السيرة الهلالية طويلًا ، وأنفاس المعسل المغمّس، تُسحب ..وتُنفث ،فتكونت سحائب الدخان العطر ،الذى سلطن الأدمغة وأدارالعقول ، وتكوَّنت فوق رءوسهم غمامة ،ظللتهم بالإنبساط والخمول والرهق والتوهان ، وأحيانا كانوا يستمعون مواويل “محمد طه” أوأغنيات “شفيق جلال” منبسطين . رسمها .. ووضعها خطة السَّطو ،على جهاز التسجيل ، فى ليلة تنفيذ الخطة ، أخذ يرصُّ.. ويكرَّس ..ويسحب أول نفس ، ويناولهم البوصة يُحَيّى ويسحبوا ، خلَّاهم يُفْرطوا فى الشُّرب ويثقلوا، فى سَحْب أنفاس الحشيس ، جعلهم يسحبوا ..و يحبسوا .. وينفثوا من مناخيرهم ، وخفَّف هو خفَّف خالص ؟!! حمل جهاز التسجيل فى يده ،وقال أنا مروح يا معلمين ، وخرج .. يتسحب من تحت تكعيبة العنب أمام الدار ، حتى لا تشعر به الجدة ، التى نادت من وراء الباب “مَنْ .. مَنْ ..مروَّح يتسحب كحية”
فأسرع الخطى ،وجرى منعطفًا إلى دارهم . استغل غفلتهم وأخذ جهاز التسجيل ،حين طلع النهار، تفحصتهم الجدة وهم رقود فى الجنينة الأب “رابح” وأصحابه ، لم تجد ابن هلال بينهم ؟!! ولم تجد جهازالتسجيل فى مكانه المعتاد ؟!! راحت تحجل وترقص ،كأبو منجل بعدما رفعت جناحيها ، وأخذت تسكب الماء البارد على وجوههم ، وتصرخ قائلة
- سرق المكن وترك البَكَر .. يا شملول .. سرق المكن وترك البكر. ياشملول .. سرق المكن وترك البكر يا “شملول” ، وبإبهام قدمها اليمنى ، تطعن بقوة النائم أمامها، فى جنبه أو رأسه ،وهى تقول وتردد فى ألم :
- سرق المكن وترك البكر،وراحت تتمايل وتضرب بالعصا ، وتكرر
- سرق المكن وساب البكر
اصْحْ يا “شملْول” سرق ال…
