
بقلم دكتورة / مريم المهدي
هناك دروس كثيرة ثمينة (مجانية) يجب علي كل عاقل ان يدرسها ويدركها ، في منطقة الشرق الأوسط الموبوءة بالصراعات والأزمات دون توقف من عقود ، وآخرها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ومن هذه الدروس الواقعية التي يجب ان يضعها العاقل عقيدة في حياته, إذ ربما تكون سببا مستفادا في تغيير ويقظة الايدلوجية السياسية والاجتماعية المغيبة في هذه المنطقة الموبوءة بالصراعات والأزمات ، والمستخلصة مؤخرا من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
* من أهم هذه الدروس :
1 – بداية هناك مثل إنجليزي فحواه ” اخدعني مرة ويكون عيب عليك ، واخدعني مرتين ويكون عيب علي ” لااحد ينكر ان إيران، القوة التي زرعت الذعر بقوتها النووية بين قادة منطقة الشرق الأوسط والخليج لعقود ، ليست كما توهمها المغرمون بها : بل هي دولة تحكمها مجموعة من الفاشيين الكسالى الفاشلين المخترَقين أمنيا بالخيانات والصراعات الداخلية !! هذا يفسر اسباب ومدي الفشل والاختراق الصادم ,اذ كيف تتعرض لهجومين غادرين خلال شهور معدودة بالطريقة والأسلوب والسياق نفسه !!. في يونيو 2025 تعرضت إيران لحرب بدأها الأمريكيون والإسرائيليون بينما كانت إيران تحلم بنجاح مفاوضات مسقط. وحاليا تتعرّض لحرب أشد فتكا في سياق وطريقة مشابهَين للحرب الماضية. وفي كلتا الحالتين كان الفشل مضاعفا، سياسيا وأمنيا، وخسرت إيران خيرة قادتها وعلمائها. وقبل الحالتين قتلت إسرائيل إسماعيل هنية في موقع يُفترّض أنه من الأكثر تحصينا في طهران، وقتلت عشرات العلماء النوويين بسهولة كبيرة تحت شمس النهار في شوارع طهران.
لذلك كان العالم كله ينتظر لحظة الحرب الحالية إلا القادة الإيرانيون !!؟. من المستحيل استيعاب أن كبار القائمين على المنظومة الأمنية والعسكرية في طهران يلتقون في مكان واحد وتوقيت واحد بينما طبول الحرب تدق منذ أسابيع . لا يصدق أن المرشد يواصل عمله في مكتبه المألوف بين مجموعته المعتادة بينما تتوعده إسرائيل وأمريكا منذ شهور بتصفيته, وتُعدان العدَّة لذلك على بُعد أميال من طهران!! هل إن هؤلاء المجانين هم أصحاب السلطة ومن يقودوا شعب إيران المنكوب ؟؟ أين الأجهزة الإيرانية وغيرها مما يجب أن تملكه دولة تدّعي أنها تخوض صراعا مع كبرى القوى العالمية ؟؟ لُدغت إيران من الجحر نفسه مرتين، وخسائرها فادحة لا تُعوض إلا بعد سنوات طويلة. ولكن اذا استمرت علي هذا النهج بهذه العقلية ستُلدغ مرة ثالثة ورابعة بل وستقسم ثرواتها وتحتل وتصبح في ذمة التاريخ الموصوم فقط .
ان عقيدة الاستشهاد والاستهانة بالحياة المتجذرة في تلك الطوائف باسم الدين هي الدافع ، الذي يؤكد تفشي الروح الدموية والفك الارهابي , وهذا أيضا تخلف وتغيب ادراكي وانساني و خلل وتقصير حان وقت مراجعته.
والعبرة هنا :” كن قويا أولا ثم ادّعي القوة كما شئت ، لكن كدولة وكمنظومة حكم متكامل ، تحتاج إلى الذكاء وتطوِّير القدرات الاستشرافية مثل العسكرية تماما وأكثر. لكن دولة إيران بعيدة عن هذا .2 – ما أن تلقت إيران الضربات الأولى صباح السبت حتى تبيّن أن ردات فعلها تنم عن صدمة كبرى وارتباك. وما
حلَّ اليوم الثالث من الحرب حتى كانت قد خسرت ما اكتسبته من تعاطف في أوساط العرب بسبب استهدافها الدول العربية القريبة منها بصواريخ ومسيّرات
* ضرب دول الخليج :
كان الخطا الاكبر من ايران الذي ارتكبته ان مهما كانت الذرائع ، يبقى استهداف دول الخليج بغرض إلحاق أكبر قدر من الأذى تصرفا غبيا أرعن جعل إيران محاصرة في بيئة معادية، وأفقدها الرصيد السياسي الذي عملته خلال السنتين الماضيتين من اجل التقارب مع دول الجوار العربية.
الدرس والعبرة : وبغض النظر عن أن فرضا كان بعض القصف والأعمال التخريبية في الخليج من صنع الموساد ، لكن خسرت إيران معركة التعاطف والمؤازرة . هذا الأمر ويؤكد ويكمل منظومة التسيّب الأمني والاختراق الكبير في إيران المتسبب في مقتل المرشد الأعلى بأول صاروخ ، لذلك لا يُستغرب منهم القصف العشوائي نحو جيران، في الحد الأدنى ، برهنوا لهم عن حسن نواياهم قبيل الحرب.
3 – فشل عدة قادة العرب برغم جهودهم و محاولاتهم في إقناع الرئيس ترامب بتفادي شنّ حرب على إيران. بينما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهوعمل في الاتجاه الآخر محاولا جاهداً إقناع ترامب بشن الحرب (زار واشنطن 6 مرات خلال سنة واحدة). فشل القادة العرب، وهم مجموعة، ونجح نتنياهو، وهو فرد !!.
4 – صراع وتضاد المصالح الاسرائيلية والامريكية والمصالح الخليجية والايرانية في منطقة الشرق الاوسط ؟!
ان الخلافات ليست جديدة على الشرق الأوسط. طيلة القرن الماضي نال المنطقة نصيب هائل من الانقسامات والخلافات. لكنها لم تصل يوما إلى ما يهدد نسيجها القومي ووجودها ,اليوم هي وصلت الي هذا المستوى من الخطر. ان أسباب الانقسام كثيرة ومتعددة, بعضها عميق والآخر تافه, لكن إسرائيل وإيران سببان رئيسيان.
ان ما يدور هو هل نقاطع إسرائيل باعتبارها كيانا دخيلا زُرع زرعاً في المنطقة ؟ أم ننظر إليها باعتبارها أمرا واقعا ربما يجب تقبله والتعايش معه
, لكن المصالح العربية، خصوصا الخليجية والسعودية ، مع الولايات المتحدة كبيرة، لكنها مهما كبرت ستبقى أقل من مصالح إسرائيل. ومهما اعتقد القادة العرب أنهم قادرون على التأثير على ترامب، يبقى تأثيرهم أقل من تأثير أيّ رئيس وزراء إسرائيلي
الدرس والعبرة: يُفترض أنه يجب ان يكون القادة العرب أدركوا جيدا الحقيقة هذه المرة ، والتي نتمني أن تكون الأخيرة، حقيقة مكانتهم عند مَن يحكم أمريكا ، وأدركوا أن “صاحبهم” الحالي محتال ولا يهمه الا مصلحته الاقتصادية والسياسية. وإذا لم يجتمع العرب بعد أن تنتهي الحرب الحالية لتفعيل استراتيجية لمستقبل يقوم على التهاون والفكاك التدريجي من التبعية للولايات المتحدة، فمعنى ذلك أنهم يرسمون نكسات أخرى لأنفسهم وبلدانهم. مخطئون إذا صدّقوا أن المفرمة ستتوقف عند إيران
ومما يجب ادراكه ايضا ان وسائل الإعلام الغربية، بمختلف مكوناتها وأنواعها، شاهدت نقاشات حول إيران وما يُخططه لها الرئيس ترامب وإسرائيل. تلقائيا يتمحور النقاش حول الخطط العسكرية والأهداف التي يمكن، أو يجب، ضربها داخل إيران وكيف ومتى.. إلخ.
وهكذا بسرعة يحسم المتحدثون النقاش ويحصرونه تحت عنوان ضرورة ضرب إيران. لا يرون في ذلك أي مانع قانوني أو سياسي أو أخلاقي لا يرون اي
مشكله في ان دولتين تحشدان قوة عسكرية هائلة لضرب دولة ذات سيادة بعيدا عن أيّ تفويض دولي أو حتى إبلاغ الأمم المتحدة، هذا كما كما فعله الابن بوش منذ 22 عام ولم يستوقفهم أن تلك القوة الخارقة ستقتل مدنيين أبرياء في إيران، منهم حتما شبان كان الغرب يصفق لهم قبل أيام وهم يتظاهرون لإسقاط النظام .
منذ خمسينيات القرن الماضي والمنطقة ضائعة في هذا النقاش الشبيه بطريق مسدود:
في هذه الأثناء كانت إسرائيل تتغلغل وتتمدد، بالقوة وبالهدوء ايضا. استعملت القوة لفرض نفسها عسكريا لاحتلال الأرض والتوسع وتغيير الحدود والجغرافيا. واستعملت المفاوضات والاتفاقيات لشراء الشعور بالسلام وتكريس وجودها السياسي والاقتصادي كما فعلت مع مصرفي اتفاقية كامب ديفيد في اتفاقية كامب ديفيد، ومع الأردن في اتفاقية وادي عربة، ثم في ما سُمّي سنة 2020 الاتفاقيات الابراهيمية وكان طبيعيا أن تستثمر إسرائيل هذا المشهد البائس عربيا لصالحها، وبشكل محكم وذكي. ولأن الابتلاء بإسرائيل وحده لا يكفي، أصاب المنطقة صداع آخر اسمه إيران بطموحاتها الثورية والمذهبية. وحلّت معه حالة سياسية وأخلاقية واجتماعية ونقاش أزلي يشبه ذلك المتعلق بإسرائيل. منذ الثورة الإسلامية وسكان وقادة الشرق الأوسط في حيرة كيف يتعاملون مع إيران.. هل بتقبلها ككيان يشكل جزءا متجذرا من نسيج المنطقة، أم بنبذها ومعاقبتها بسبب الخطورة التي تشكلها على استقرار المنطقة؟ أسئلة مزعجة لا مفر منها، والأجوبة عنها، كيفما كانت، تغذي الفرقة والانقسام.وهكذا عرفت إيران كيف تتسلل إلى عرب الشرق الأوسط.. من بوابة فلسطين، جرحهم النازف. تبنّـت القضية بسرعة نيابة عنهم، ثم ما لبثت أن انتزعتها منهم مستغلة عجزهم وفرقتهم، ولجوء بعضهم إلى التطبيع مع إسرائيل. والنتيجة اليوم مؤسفة: منطقة بدولها المكونة من مئات ملايين الناس، تملك كل أسباب الاتحاد والقوة، منقسمة في العمق حول إيران. وينخر الانقسام حتى البلد الواحد (في دول الجوار الإيراني). إنْ لم يكن انقساما ، مذهبيا عقائديا فهو محركه علاقتها بالقضية الفلسطينية. العراق، لبنان واليمن والكويت والأردن ومصر وباكستان وغيرها. حتى دول شمال إفريقيا، البعيدة عن إيران تعيش جدلا حولها هي أيضا، لكن بحدَّة أقل، ربما بسبب رفاهية البعد الجغرافي لا غير , ومثلما هو الحال إزاء إيران، هناك في كل دولة عربية تقريبا اختلاف حول إسرائيل، برز أكثر وبجرأة بعد تغلغل أفكار التطبيع وكثرة “التنويريين” الذين يعتبرونها مظلومة وضحية تطرف العرب والمسلمين اليوم المنطقة تائهة بلا رؤية تفترسها الانتماءات الطائفية والعواطف والحسابات الآوحدية والتبعية للآخرين. تفتقد للنضج بين مبتهج للحرب على إيران ومتألم لحالها، وفرح لضرب إيران دول الخليج العربية وحزين عليها، وسعيد بالقصف الذي تتعرض له إسرائيل وقلق عليها.. إلخ. هذا المشهد السوريالي ليس وليد صدفة. إنه ثمرة عقود من الارتباك وقصر النظر وتضييع الفرص، وهو ما حوّل المنطقة إلى حقل تجارب لأنواع الحروب والأسلحة وموضوع سخرية وتندر في اعين دول العالم.








