
محمد رحال
ندد ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي بما وصفوه بالغطرسة والهيمنة والبلطجة الأميركية
وسط غضب شعبي ودولي واسع إزاء ما عُدّ خرقا صارخا لسيادة فنزويلا، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهجته، متوعدا نائبة رئيس فنزويلا والرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز بـ«دفع ثمن أكبر». ومطلقًا في الوقت ذاته تحذيرات إقليمية جديدة شملت كولومبيا وكوبا والمكسيك والدنمارك وإيران.
وفي 4 يناير/كانون الثاني 2026، هدّد ترامب ديلسي رودريغيز، محذرا إياها من أنها ستدفع ثمنا أكبر مما دفعه الرئيس الفنزويلي المعتقل نيكولاس مادورو، إذا لم “تفعل الصواب”. مؤكدا أنه لن يتسامح معها في حال عارضت علنا العمليات العسكرية الأميركية في فنزويلا.
وجاءت هذه التهديدات بعد يوم واحد من إعلان ترامب، في 3 يناير، إطلاق عملية عسكرية واسعة النطاق ضد فنزويلا، أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى الولايات المتحدة. وقال الرئيس الأميركي: إن بلاده ستواصل “إدارة الأمور في فنزويلا حتى تحقيق انتقال آمن ومناسب ومعقول للسلطة”.
وفي السياق ذاته، نشرت وزارة العدل الأميركية وثيقة اتهامات بحق مادورو، تضمنت اتهامات بـ“قيادة حكومة فاسدة وغير شرعية لسنوات”، و“التعاون مع أخطر تجار وإرهابيي المخدرات في العالم”.
كما نشر الحساب الرسمي للبيت الأبيض المخصص للردّ السريع مقطع فيديو يظهر ما بدا أنه اقتياد الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو، وأرفقه بتعليق مقتضب جاء فيه: “تم اقتياده”.
ويُظهر الفيديو مادورو مرتديا سترة سوداء بغطاء للرأس، وهو يسير داخل ممر مفروش بسجادة زرقاء تحمل شعار “إدارة مكافحة المخدرات– نيويورك”، قبل أن يخضع لإجراءات التوقيف وأخذ بصمات الأصابع في مكتب إدارة مكافحة المخدرات في مانهاتن.
وتداولت وسائل إعلام عالمية مشاهد مثيرة للجدل توثق عملية نقل الرئيس الفنزويلي في شوارع نيويورك؛ حيث وُضع داخل مركبة ذات أبواب مفتوحة، وسط إجراءات أمنية مشددة شارك فيها عناصر شرطة مدججون بالسلاح. وأظهرت اللقطات موكب الحراسة المرافق له، فيما بدا بعض عناصر الأمن حريصين على إبراز جاهزيتهم العسكرية، وسط تفاعل مع هتافات ونداءات مارة احتشدوا لمتابعة الحدث غير المألوف في مدينتهم.
وفي ظل غياب مادورو الذي أودعته السلطات الأميركية مركز احتجاز في نيويورك تمهيدًا لمحاكمته بتهم تتعلق بـ“الإرهاب المرتبط بالمخدرات”، كلّفت المحكمة العليا الفنزويلية نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز بتولي السلطة لمدة 90 يوما.
وجاء في القرار الذي تلتْه القاضية تانيا داميليو خلال جلسة بثّتها قناة التلفزيون الحكومية VTV، أن رودريغيز “ستتولى وتمارس، بصفتها رئيسة بالنيابة، جميع الصلاحيات والواجبات والمهام المنوطة بمنصب رئيس جمهورية فنزويلا البوليفارية، لضمان استمرارية الإدارة والدفاع الشامل عن الوطن”.
وفي أول اجتماع حكومي ترأسته رودريغيز، دعت الإدارة الأميركية إلى التعاون في إطار القانون الدولي، في وقت واصل فيه الرئيس الأميركي تهديداته. متوعدًا بتنفيذ “ضربة ثانية” ضد فنزويلا إذا لم “تلتزم” القيادة الجديدة في البلاد.
وفي خطاب متلفز على القناة الوطنية، شددت رودريغيز على أن نيكولاس مادورو هو “الرئيس الوحيد” لفنزويلا، مؤكدة أن بلادها مستعدة للدفاع عن مواردها الطبيعية، وأن فنزويلا “لن تكون مستعمرة لأي دولة، ولن تصبح عبدًا لأي إمبراطورية”.
من جانبه، دافع ترامب عن التدخل العسكري الأميركي، واصفًا إياه بأنه “صحيح ومحق”، وادعى أن كميات كبيرة من المخدرات تتدفق من فنزويلا إلى الولايات المتحدة، متهمًا مادورو بإدارة “دولة مخدرات وإرهاب”.
وأشار الرئيس الأميركي إلى أن الولايات المتحدة “سيطرت على فنزويلا”. مؤكدًا أن هناك “الكثير من العمل الذي ينبغي إنجازه” هناك، ومعلنًا أن شركات نفط أميركية كبرى ستتجه إلى فنزويلا لبدء استثمارات بمليارات الدولارات.
ولم يستبعد ترامب أن تكون فنزويلا الدولة الأخيرة التي تتدخل فيها بلاده. مشددًا على ما وصفه بالحاجة الماسّة لواشنطن للسيطرة على جزيرة غرينلاند الإستراتيجية.
وتتبع غرينلاند للدنمارك وتتمتع بحكم ذاتي، وتُعدّ أكبر جزيرة في العالم، وتحتل موقعًا محوريًا في منطقة القطب الشمالي التي تكتسب أهمية متزايدة بفعل ذوبان الجليد وفتح طرق تجارية جديدة نتيجة أزمة المناخ.
وردّت رئيسة وزراء الدنمارك، متة فريدريكسن، على تصريحات ترامب، مطالبة إياه بالكف عن تهديداته بشأن غرينلاند. ومؤكدة أن الولايات المتحدة “لا تملك أي حق في ضمّ أي من المناطق التابعة للدنمارك”.
وقالت فريدريكسن في بيان: “أحثّ الولايات المتحدة بشدة على التوقف عن إطلاق مثل هذه التهديدات بحق حليف وثيق وتاريخي، وبحق دولة وشعب أكد بوضوح تام أنه ليس للبيع”.
وسبق لترامب أن أطلق دعوات متكررة لضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة، إلا أن هذه التصريحات قوبلت بغضب واسع داخل الدنمارك والجزيرة.
وعشية اعتقال مادورو، صعّد ترامب هجماته ضد الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو الذي تربطه به علاقة متوترة منذ أشهر، موجّهًا له تحذيرات شديدة، ومتهمًا إياه بـ“صناعة الكوكايين وإرساله إلى الولايات المتحدة”. وواصفًا إياه بـ“الرجل المريض”، ومحذرًا من أنه “لن يستمر طويلا في منصبه”.
ورفض الرئيس الكولومبي هذه الاتهامات، ويرى أن ترامب “مُضلَّل فيما يخص كولومبيا”، وردّ عليه قائلا: “اسمي لا يظهر في أي ملفات قضائية مرتبطة بالاتجار بالمخدرات. توقف عن تشويه سمعتي”.
كما انتقد بيترو بشدة العمل العسكري الأميركي في المنطقة، وندد بعملية اعتقال مادورو، واصفًا إياها بأنها “اختطاف لا يستند إلى أي أساس قانوني”.
وواصل ترامب هجماته الإقليمية، متوجّها بانتقادات حادة إلى المكسيك، مطالبًا إياه بـ“ضبط أمورها”. ومضيفًا: “علينا أن نفعل شيئًا بشأن المكسيك”.
كما شملت تهديداته كوبا؛ حيث قال: إن بلاده قد لا تحتاج إلى تدخل عسكري هناك؛ لأن النظام “يبدو مستعدًا للسقوط من تلقاء نفسه”، على حد تعبيره.
